كيف يمكننا تغيير أزمة التعلم؟

1 مدة القراءة

إعدد | روكميني بانيرجي* ومامتا مورثي**:

إنها حقيقة صادمة أن نحو 70% من الأطفال في سن العاشرة بالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل لا يستطيعون قراءة نص بسيط وفهمه. ونظرا لأن القراءة ضرورية لجميع أشكال التعلم، فإن الطفل الذي لا يستطيع القراءة في سن العاشرة يتهدده خطر التخلف عن الركب إلى الأبد، حتى لو كان منتظما في الدراسة.

بل إن الأمر الأكثر إثارة للإحساس بالصدمة هو أنه لا يوجد بشكل عام ما يكفي من الإجراءات العاجلة في مختلف البلدان لمعالجة أزمة التعلم الأساسي. ويعزى ذلك إلى أسباب منها التفاؤل في غير محله والمعتقدات الخاطئة من جانب واضعي السياسات والمعلمين وأولياء الأمور. وثمة تحدٍ آخر يتمثل في انخفاض الإنفاق على التعليم وعدم كفاءته والافتقار إلى الإرادة السياسية لدفع عجلة التغيير.

ويبالغ واضعو السياسات عادة في تقدير الوضع. إذ يقدر مسح أجري عام 2020 لكبار المسؤولين عن التعليم في 35 بلدا ناميا أن 47% من الأطفال في سن العاشرة في بلدانهم يستطيعون القراءة بفهم، في حين تشير بيانات التقييم إلى أن هذه النسبة لا تتجاوز 23%.

ويبالغ المعلمون أيضا في تقدير مهارات الطلاب المتأخرين وغالبا ما يفترضون أن الطلاب “سيعوضون” هذا التأخر بأنفسهم. والآباء متفائلون أيضا بالقدر ذاته. ففي شرق أفريقيا، وجدت إحدى الدراسات أن أكثر من نصف الأطفال لم يجتازوا الاختبارات الأساسية للقراءة والكتابة أو الحساب، ومع ذلك كان معظم الآباء راضين عن أداء النظام التعليمي. وتتكرر هذه النتيجة في مناطق أخرى.

كما أن الاعتقاد بأنه ليس كل الأطفال بوسعهم التعلم يعيق التحرك لمعالجة الأزمة. وتظهر بيانات من 20 ألف معلم في تسعة بلدان نامية أن نحو 43% من المعلمين يعتقدون أنه “لا يوجد شيء يذكر يمكنهم فعله لمساعدة الطالب على التعلم” إذا كان الآباء غير متعلمين. هذا الاعتقاد غير عادل وغير صحيح.

وأخيرا، فإن الإنفاق على كل طفل في البلدان منخفضة الدخل إما أنه غير كافٍ (حوالي 50-80 دولارا للطفل في المتوسط) أو عندما يكون كافيا، فإنه لا يُخصص بشكل فعال لتحسين عملية التعلم.

ولا يمكننا أن ندع هذه التحديات تقف في طريق حل أزمة التعلم. ليس من الصواب – اجتماعيا أو اقتصاديا أو أخلاقيا – ترك 70% من الأطفال يتخلفون عن الركب. ويمكن تعليم الطلاب المتأخرين، من خلال النظام، وعلى نطاق واسع . ويمكن القضاء على فقر التعلم. فالوضع ليس بحاجة إلا إلى أساليب مختلفة. إن التقرير الصادر مؤخرا عن الهيئة الاستشارية العالمية لشواهد التعليم بعنوان “نهج فعالة من حيث التكلفة لتحسين التعلم عالميا” يسلط الضوء على الإجراءات الناجحة وكيفية نجاحها.

أحد الأساليب، التي سلط التقرير الضوء عليها وهي من ابتكار المنظمة الهندية غير الحكومية براثام، هو طريقة التدريس على المستوى المناسب (TaRL). إذ يتم تجميع الأطفال حسب مستوى تعلمهم الحالي، وليس حسب صفهم الحالي. ويُقدم تعليم مناسب لكل مجموعة بحيث يكتسب الأطفال المهارات الأساسية للقراءة والكتابة والحساب وينتقلون إلى مجموعات أعلى في فترة زمنية قصيرة. وكإجراء تدخلي استدراكي، يعمل هذا النهج بشكل أفضل مع الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 7 سنوات أو أكثر، ويمكن تقديمه في المدارس أو خارجها في مخيمات يديرها المعلمون أو مساعدو المعلمين أو حتى المتطوعون.

وأثبتت طريقة TaRL فعاليتها واقتصاديتها، حيث توفر ما يعادل أكثر من ثلاث سنوات من التعليم عالي الجودة لكل 100 دولار يتم إنفاقها. وتظهر البيانات المستقاة من تنفيذ أسلوب TaRL مع حكومات الولايات في الهند وحكومات البلدان في أفريقيا باستمرار التحسينات بنسبة 20-25 نقطة مئوية على الأقل في كل جولة من جولات التنفيذ.

يساعد التدريس على المستوى المناسب، إذا أُحسن تنفيذه، الأطفال على اكتساب المهارات الأساسية للقراءة والكتابة والحساب، وجعل سنوات الدراسة في المستقبل أكثر إنتاجية . وقد تم اختباره بدقة على نطاق واسع في الهند وغانا وتم تنفيذه على نطاق واسع في كوت ديفوار وزامبيا. وفي عام 2021، أطلقت شيلي برنامج Escuelas Arriba الوطني الذي يتضمن مرحلة ’اللحاق بالركب’ لكل هدف من أهداف التعلم. ثمة نهج آخر للحاق الطلاب بالركب، وهو التعلم التكيفي، الذي يستخدم أجهزة عليها برامج متخصصة لتوجيه الدروس وفقا لمستوى تعلم كل طالب.

وهناك حلول أخرى قابلة للتطوير تم تسليط الضوء عليها في التقرير. وأثبتت التدخلات التربوية المنظمة فعاليتها على نطاق واسع في العديد من البلدان، لا سيما في تحسين المهارات الأساسية للقراءة والكتابة والحساب. فعلى سبيل المثال، وجد برنامج توسوم في كينيا وبرنامج تعزيز مهارات القراءة في بابوا غينيا الجديدة آثارا كبيرة على عملية التعلم. ويمكن لهذه النهج التي يتم تنفيذها على نطاق واسع أن تبني أسسا قوية في السنوات الدراسية الأولى، وأن تساعد على الحد من عدد الأطفال المتخلفين عن الركب ويحتاجون إلى تدخلات تعويضية فيما بعد. وداخل النظام المدرسي، تساعد التدخلات التكميلية مثل أسلوب TaRL الأطفال الأكبر سنا على الانتقال إلى التعلم على مستوى الصف الدراسي، في حين يمكن للأساليب التربوية المنظمة أن تمكن من بناء أسس قوية في الصفوف الأولى.

ويمكن للمجتمعات المحلية أيضا أن تلعب دورا مهما في تحفيز التغيير. ففي تاميل نادو بالهند، اعتمد برنامج إيلام ثيدي كالفي على 200 ألف متطوع مجتمعي غير مُعتَمدين لإدارة برامج تعويضية يوميا لمدة 60-90 دقيقة بعد المدرسة لنحو 3.3 مليون طفل في سن المدرسة الابتدائية تضرر تعلمهم بسبب إغلاق المدارس خلال جائحة كورونا. وتم تعويض ثلثي العجز في التعلم في غضون ستة أشهر من إعادة فتح المدارس.

وبالعمل مع حكومات الولايات وغيرها، قاد براثام جهدا تطوعيا كبيرا مماثلا في الصيف الماضي في ثلاث من أكبر ولايات الهند، وهي بيهار وأوتار براديش وماديا براديش. وعمل 300 ألف متطوع في سن المدارس الثانوية والجامعات مع 3.5 مليون طفل لمدة ساعة إلى ساعتين يوميا خلال معسكر صيفي استمر شهرا. وأدى ذلك إلى تحسن قدرة الأطفال على الأقل على قراءة نص أو قصة بسيطة على مستوى الصف الثاني بأكثر من 20 نقطة مئوية.

وعندما يتعلق الأمر بإعطاء الأولوية للتعلم: حيث تتوفر الإرادة، توجد طريقة. ومن الأمثلة على ذلك بلدية سوبرال في البرازيل. ففي عام 1997، بدأ عمدة سوبرال المنتخب حديثا عملية إصلاح التعليم التي نقلت سوبرال من كونها من بين أسوأ البلديات أداء إلى الأفضل في البلاد. وتضمنت الإصلاحات اتخاذ قرارات سياسية صعبة مع التركيز الأحادي على تحسين تعلم الطلاب. وتوسعت إصلاحات سوبرال الآن لتشمل بقية البرازيل.

باختصار، لم نفقد الأمل. يمكننا تغيير أزمة التعلم من خلال حلول سريعة وفعالة من حيث التكلفة وقابلة للتطوير أثبتت بالفعل فعاليتها في معالجة الفجوات في التعلم الأساسي . ومع وجود أهداف واضحة قابلة للتحقيق والقيادة السياسية لدعم تلك الأهداف، يمكن التغيير. لكل من الحكومة والمجتمعات المحلية وأولياء الأمور والمدرسين جميعا دور حيوي وفاعل.

ونحن نعلم أنه يمكن القيام بذلك. لقد تطلب الأمر جهدا مشتركا من الحكومات والأسر والمجتمعات لتحقيق الزيادات الهائلة في معدلات الالتحاق بالمدارس التي أصبحت شاملة الآن، مع استثناءات قليلة. والخطوة التالية هي ضمان أن كل طفل في المدرسة يتعلم. أمامنا سبع سنوات أخرى لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للتعليم. وقد حان وقت العمل الآن. من أجل هذا الجيل ومن أجل العالم.

* روكميني بانيرجي | الرئيسة التنفيذية لمؤسسة براثام التعليمية، الهند

** مامتا مورثي | نائبة الرئيس لشؤون التنمية البشرية بالبنك الدولي

المصدر | البنك الدولي

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك