قوانين إعادة الهيكلة المالية والإفلاس التجاري

0 مدة القراءة

إعداد | المستشار د. عبد القادر ورسمه غالب* :

تهدف التشريعات المالية وتنظيم الأعمال المؤسسية، في الاساس، إلى توفير المناخ الملائم لكافة الأعمال التجارية الاستثمارية والاقتصادية. اضافة الى تهيئة البيئة والإجراءات القانونية المطلوبة لتمكين هذا القطاعات الحيوية الهامة من الانعتاق والتحرر ثم الانطلاق. وفي الوقت الحاضر تتوفر القوانين المالية الخاصة بتأسيس الشركات والشراكات والوكالات، واضافة لذلك الاهتمام بتناول كيفية إدارتها وزيادة رأسمالها وتوزيعه واستثماره وطرق الاندماج والتملك، وغيره من المسائل القانونية المؤسسية الضرورية. وفي البحرين، نجد القانون رقم (22) لسنة 2018 بإصدار قانون إعادة التنظيم والإفلاس، لمعالجة هذا الوضع.

تتناول معظم هذه التشريعات أيضا كيفية تصفية والغاء وحل الشركات، مع توضيح الإجراءات الخاصة بعدة أمور منها الإفلاس أو الصلح الواقي من الإفلاس. وكل هذه التفاصيل ذات أهمية بالغة للشركة وملاكها وكل الجهات المرتبطة بها. غير أنه لا بد من القول بأن التشريعات المالية السارية في العديد من الدول لا توفر بدائل قانونية كافية لمساعدة الشركات في إعادة هيكلة الديون ومقابلة التعثر وتصحيح أوضاعها المالية قبل الدخول في مرحلة الإفلاس الاجباري أو الاختياري، إذا دعت الضرورة لذلك. ومثل هذا الوضع، في نظرنا يمثل فراغا تشريعيا كبيرا لا بد من العمل على سده تماما حتى تكون منظومة التشريعات المالية متسقة وتقدم نسيجا قويا ومتكاملا لحماية العمل التجاري المؤسسي وضمان تطويره في نفس الوقت.
في كل الدول المتقدمة اقتصاديا، مثلا، نلاحظ أن القوانين التجارية وقوانين الشركات تهتم، وبصورة واضحة، بوضع الحلول المبدئية لإعادة هيكلة ديون الشركات نظرا لأن التعرض لبعض الصعوبات المالية والتنفيذية يعتبر أمرا غير مستبعد ومن الممكن حدوثه في أي وقت. والتجارة عموما، وفي أي وقت، عرضة لهذا وذاك وما يأتي منهما من مردود بالربح أو الخسارة. ولتحقيق هذا التوازن المطلوب، نلاحظ أن القوانين الآن في عدة دول ومنها البحرين، تتناول عدة أمور من بينها النص على تكوين (لجنة إعادة الهيكلة المالية) التي يكون من مهامها إدارة إجراءات إعادة التنظيم المالي للشركة المعنية عبر (قائمة) معتمدة لديها تضم خبراء في الشؤون المرتبطة بالهيكلة والإفلاس من محاسبين وقانونيين وفنيين ورجال وسيدات أعمال. ووفق هذه القوانين فان إجراءات التنظيم المالي تهدف إلى تسهيل اتفاق رضائي بموافقة ومباركة الأطراف. وفي العادة يعقد هذا الاتفاق خارج المحكمة بين المدين ودائنيه بمساعدة (خبير) من ضمن قائمة لجنة إعادة الهيكلة.
ويجوز لكل شركة تواجه صعوبات مالية، في ذلك الوقت المحدد أو في المستقبل المنظور، أن تتقدم بطلب إلى لجنة إعادة الهيكلة لمباشرة إجراءات التنظيم المالي للشركة. ووفق القانون فان الشركة المعنية في هذه المرحلة لا تعتبر في حكم (المتوقف عن الديون). وفي جميع الأحوال يجب تقديم مذكرة تتضمن وصفا تفصيليا شفافا يوضح وضع الشركة المالي، بما في ذلك بيانات مفصلة عن القوى العاملة، أسباب تقديم الطلب مع إرفاق الدفاتر التجارية والبيانات المالية للسنة السابقة لتقديم الطلب، تقدير الاحتياجات التمويلية للإيفاء بالتزاماتها التجارية خلال السنة التالية مثلا، مع التفاصيل الكافية التي توضح كيفية إعادة السداد، وغيره من المعلومات الضرورية. ومن هذا، يتبين لنا ضرورة امساك الشركات بمثل هذه المستندات لأهميتها في هذه الأوقات، وكلما كانت المستندات كاملة ومستوفية فانها تمثل كتاب شفاف لكل من يرغب في الاطلاع وهذا الكتاب قد يمثل نقطة العبور الأولى للشركة للوصول للمبتغى.
والقانون يعطي هذه المرحلة أهمية معينة ذات بعد زمني وقانوني ولذا لا يجوز للمدين الذي يخضع لإجراءات الصلح الواقي للإفلاس أو إشهار الإفلاس أن يتقدم بطلب لمباشرة إجراءات إعادة التنظيم المالي، لأنه تجاوز هذه المرحلة وتخطاها.
تقوم لجنة إعادة الهيكلة بمراجعة الطلب والمعلومات المقدمة وعليها اتخاذ القرار بالموافقة (المطلقة أو المشروطة) أو عدمها، وللعلم فان القرار نهائي وغير قابل للتظلم أمام أي جهة، وهو لم يأت من فراغ وانما من واقع المستندات والوقائع والحقائق التي ظهرت واضحة. هذا ووفق الإجراءات وتنفيذا لها، وفور قبول اللجنة لطلب الشركة فانها تقوم بتعيين (ممثل   مستقل) من جدول الخبراء لتقديم المساعدة الفنية للشركة، وهذا الممثل يجب أن يكون خبيرا مستقلا يتمتع بالخبرة والكفاءة في مجال إعادة الهيكلة المالية والإفلاس ومهمته الأساسية المساعدة في التوصل إلى اتفاق الشركة (المدين) مع (الدائنين) لتسهيل استمرارية الأعمال.
وإجراءات إعادة التنظيم المالي تبدأ من تاريخ تعيين (الممثل المستقل) مع العلم أن التعيين يكون لمدة أو مدد محددة. ويجوز للشركة أن تطلب تغيير هذا الممثل إذا لم يبرهن أو يقوم باثبات مقدراته الفنية المستقلة، أو في حالة أن وجوده سيؤدي إلى الإضرار بمصلحة الشركة. ويجب على (الممثل) أن يقوم بمساعدة الشركة في تحسن وضعها الاقتصادي والمالي مع العمل الجاد للتوصل إلى اتفاق ودي بين (المدين) و (الدائنين) الرئيسيين لمساعدة الشركة في الخروج من أزمتها الاقتصادية أو اضطرابها المالي وعبر تقديم اقتراحات تهدف للمحافظة على كل الأعمال القائمة بما في ذلك الإبقاء على الموظفين بالشركة وهم الأكثر حاجة لذلك.
ووفق القانون، فان تعيين (الممثل المستقل) يجب ألا يؤثر على قدرة المدين (الشركة) في متابعة إدارة كل الأعمال بنفسها، كما لا يجوز له التدخل في إدارة أعمال الشركة ما لم يحصل على موافقة مسبقة بذلك، ولا يجوز له إقالة أو منع المدين من مباشرة أي من واجباته القانونية أو التعاقدية الناشئة عن مزاولة أعماله. وتستمر إجراءات إعادة التنظيم المالي لتحقيق أهدافها على أن يتم رفع تقارير دورية الى اللجنة، وهناك أمثلة كثيرة لنجاح حالات عديدة تم فيها مساعدة الشركات للخروج من الأزمة المحيطة يها. وهذا بيت القصيد.
وقد يتم وقف الإجراءات في حالات معينة خاصة إذا توصل (الممثل المستقل) إلى أنه من المستبعد التوصل إلى اتفاق بين الأطراف وفي هذه الحالة عليه أن يقدم تقريرا إلى اللجنة لإصدار قرار إنهاء الإجراءات وتأمر اللجنة بذلك في حالة موافقتها على توصية الممثل. وكما يحق للمدين أن يطلب إنهاء الإجراءات في حالة تيقنه من زوال الصعوبات المالية الحالية أوالمتوقعة. هذا كما تتوقف الإجراءات تلقائيا عند انتهاء مدة تعيين الممثل أو قبل ذلك إذا تم التوصل إلى اتفاق يتعلق بإعادة التنظيم المالي بين المدين ودائنيه، أو قد يكون انتهاء الإجراءات إلزامي وبشكل تلقائي خاصة إذا بدأ المدين في مباشرة إجراءات الصلح الواقي من الإفلاس أو إجراءات إشهار الإفلاس في أي وقت.
إن تضمين القانون لهذه الإجراءات بالطبع فيه إلزام وجوبي يجب على الجميع التقيد به، وكما ذكرنا فإن هذا البديل وهذه المرحلة ساعدت الكثير من الشركات في تجاوز الصعوبات المالية بفضل المساعدة في المفاوضات والمعونات الفنية التي يوفرها القانون للشركات. ومن هذا تتمكن الشركة من تجاوز (الكبوات) ومعاودة السير في الطريق الصحيح مع حصول الجميع على حقوقهم، وهكذا تتواصل الأعمال التجارية ويتقدم اقتصاد الدول ويستفيد المجتمع. ولا بد من القول، أن القوانين تطورت كثيرا في ما يتعلق بمساعدة الشركات التي تتعرض للصعوبات المالية وغيرها حتي تتمكن من تجاوز الصعوبات والسير مجددا في طريق الأعمال التجارية المثمرة. بمعنى آخر، يجب ألا ندير ظهرنا للشركات التي تتعرض للصعوبات بل مد يد العون لها بصدور مفتوحة لتجاوز الأوقات الحرجة أو الأزمات. والجميع قد بتعرض لمثل هذه الأوضاع، وهذا كما قلنا أمر جائز الحدوث في أي وقت. وهنا  المطلوب منح الفرصة الاضافية، ولنعمل على تطوير تشريعاتنا المالية لسد كل الفجوات ليكون الغطاء القانوني كاملا وساترا ودافعا للتطور الاقتصادي والتجاري.

* بروفيسور القانون الجامعة الامريكية | المؤسس والمدير التنفيذي ع | د. عبد القادر ورسمه للاستشارات ذ.م.م البحرين \ دبي

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك