حوكمة المؤسسات الصغيرة و المتوسطة

1 مدة القراءة

إعداد | المستشار د. عبد القادر ورسمه غالب* :

تلعب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، من دون منازع، دورا فاعلا ومؤثرا في اقتصاديات كل دول العالم كبيرها وصغيرها. وتتميز هذه المؤسسات بأن نشاطاتها تغطي كافة المجالات والخدمات التي يحتاج لها الجميع في كل لحظة في اليوم. إضافة لهذا، فإن هذه المؤسسات وبالرغم من أحجامها الصغيرة ورأسمالها المتواضع إلا أنها قادرة علي توفير فرص العمالة والعمل الشريف للملايين من الأيادي الشابة والأسر التي تجد عبر هذه المؤسسات مأكلا ومشربا ومؤولا آمنا يستر حاجتها ويغطيها لدرجة الاكتفاء.

لهذه الأسباب المتعددة، ولغيرها، نجد أن كل دول العالم تهتم كثيرا بكل الشؤون الخاصة بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتعمل بكل جهد لدعمها وتطويرها لدرجة تمكنها من القيام بدورها المنشود على أكمل وجه. ولقد ثبت من التجارب العديدة أن دعم هذه المؤسسات أدي فعلا لتحقيق طفرة كبيرة في الاقتصاد وتحسين مستوى الدخل للعديد من الأسر ورواد الأعمال ومن يعمل معهم.

والبحرين وغيرها من دول المنظقة، اهتمت كثيرا بأمر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتجلت الحكمة في إضفاء الرعاية الرسمية وكذلك الأبوية لهذه المؤسسات ونشاطاتها المتنوعة ولجميع المرتبطين بها وذلك لمنحها الدافع المادي والمعنوي لتلحق بالثريا. وانطلاقا من هذه التوجهات الكريمة من الجهات الرسمية، يجب على الجميع بذل كل الحرص لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في جميع المناحي والنواحي. وكذلك، في نفس الوقت، نقول أن هناك مسؤوليات جسيمة مباشرة تقع على عاتق هذه المؤسسات ومن يملكها لترتفع الي مستوى المسؤولية وتشمر عن سواعدها للمساهمة بفعالية لتحتل الموقع الذي يمكنها من الانطلاق القوي لدعم الاقتصاد الوطني لتحقيق الرفاهية في المجتمع. ومن أجل تحقيق هذا الوضع والوصول للمبتغي فهناك  بالطبع، عدة متطلبات وأولويات لا بد من الحرص على تحقيقها فورا وفي أسرع وقت. وفي صدارة الأولويات يجب العمل الجاد والمتواصل نحو تطبيق مبادئ حوكمة الشركات لتحقيق الارتقاء والسمو بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر مبادئ الحوكمة الرشيدة.

وحوكمة الشركات، في إيجاز شديد، تعني توفر تلك الضوابط والمعايير والإجراءات التي تهدف مجتمعة لتحقيق الانضباط المؤسسي في إدارة الشركة وفقا لبعض المعايير والأساليب والممارسات المتفق عليها عالميا، ويتم ذلك عبر تحديد مسؤوليات وواجبات أعضاء مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية للشركة بهدف حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح. ومنذ إتباع هذه الأحكام، بعد صدمة شركة انرون للطاقة الأمريكية وإفلاسها المدوي مع سوء الادارة وقبيح التصرف، نلاحظ أن الأداء المؤسسي في الشركات تحسن كثيرا وبما يعمل على تحقيق الفائدة للمساهمين وأصحاب الحقوق المرتبطة بل وكل قطاعات المجتمع. وهذا هو الغرض المنشود من الحوكمة التي يسعى لها العالم الآن، وإذا رجعنا لتعاليم وأحكام ديننا الإسلامي الحنيف نجد أنه يدعو الجميع إلي تحمل المسؤولية وحسن العمل ونكران الذات. وهكذا الحوكمة معنا في ديننا العظيم.

ظهرت ملامح الاهتمام بحوكمة الشركات في كل العالم بعد الهزات المؤلمة التي تعرضت لها الشركات الكبيرة عابرة القارات مما قاد إلي انعدام الثقة في هذه الشركات وفي إداراتها غير الأمينة والفاسدة. وديننا الحنيف يقول “خير من استأجرت القوي الأمين”.  ولقد تبين من الدراسات العلمية الحديثة أن الحوكمة تحقق سرعة النمو والتطور لأي نوع من أنواع الشركات، ومن ضمنها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ولذا لا بد من العمل بكل همة من أجل تطبيق مبادئ حوكمة الشركات في هذا القطاع المؤسسي الهام. وعليه، وإذا أردنا زيادة تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وسرعة نموها فعلينا العمل من أجل تطبيق مبادئ الحوكمة لأن هذا الوضع سيفتح الباب على مصراعيه أمامها للدخول في مشاريع جديدة نظرا لأنها ستجد التمويل الكافي من البنوك. وهذا الترحيب بالتأكيد سيكون بسبب تطبيق وانتهاج مبادئ حوكمة الشركات التي ستجعل هذه المؤسسات تعمل في شفافية كاملة وفق أطر إدارية سليمة تحكم العلاقة بين كل أطراف الشركة من ملاك وإداريين ومع غيرهم من الجهات الرقابية الإشرافية وكذلك مع الجهات المرتبطة كالعملاء والمستهلكين والمستثمرين.

نقول هذا، لأن وجود الحوكمة في الشركات أو في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يعني، وبكل بساطة، تحكم إداري مؤسسي جيد يقود لأداء ناجح لتحقيق انجازات جيدة للمؤسسة عبر وضع استراتيجية شاملة لإدارة  كافة الأعمال ومتابعتها ومراقبة نتائجها مع توفر الإدارة الحسنة للمخاطر المختلفة، وكل هذا سيقود لتبديد قلق المستثمر وبعث الثقة وأيضا الإسهام بكل فعالية في جذب الأموال والاستثمارات المتنوعة من الأجنبية والمحلية وبما يحد من الفساد وهروب رؤوس الأموال. كل هذا وغيره يتم بسبب الحوكمة وانتهاج الإدارة الرشيدة والتفاني المخلص في تحقيق مقاصدها ومراميها.

ولتحقيق إطار فعال لحوكمة الشركات وبصفة خاصة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فيجب على هذه المؤسسات تطوير هيكل حوكمة الشركات وفق الضوابط والقواعد المنظمة له. ولتمكين هذه المؤسسات من تنفيذ هذا الهيكل فإننا ننصح ونقول أنه لا بد من وضع “نظام” أو “دستور” ينظم كل ما يرتبط بالمؤسسة أو الشركة والعلاقات بين كل الأطراف ذات العلاقة وبما يضمن وفي جميع الأوقات توفر المعاملة المتكافئة بين الجميع وكذلك بدون أي تعارض في المصالح، ولا بد من بذل الكثير في تدريب القائمين على أمر هذه المؤسسات لتحقيق هذه الأغراض العظيمة. ولتحقيق الأهداف، أيضا، يجب أن تقوم هذه المؤسسات جميعها بوضع إطار عمل واضح يحدد سياسة الإفصاح والشفافية التي سيتم التقيد بها وإتباعها في جميع الأوقات وبما يتماشى مع المتطلبات الصادرة من الجهات الرقابية والإشرافية. وهذا يشمل، ضمن أشياء أخري،  توفير كل المعلومات الجوهرية عبر التقارير الدورية والوسائل الأخرى، وكذلك يجب الالتزام بإعداد القوائم المالية وفقا للمعايير المحاسبية المتبعة والمتعارف عليها، على أن تتم عملية مراجعة وتدقيق الحسابات عبر مدقق خارجي معتمد ومستقل لضمان الحيدة والموضوعية.

من المسائل الهامة جدا التي نشير لها والتي نري ضرورتها القصوى، هي أن يتضمن “نظام” أو “دستور” المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لضمان الالتزام بأحكام الحوكمة، وضع وتحديد مسؤولية إدارة المؤسسة عبر “مجلس الإدارة” أو “لجنة الإدارة” وغيرها من اللجان المتخصصة. وهذه المسؤوليات تشمل، دون حصر، الاستراتيجية العامة لإدارة المؤسسة ومسؤولية “مجلس الإدارة أو لجنة الإدارة” أمام المؤسسة والملاك. كما ويجب على من يتولى هذه الإدارة القيام بكل واجباته وفق العناية المطلوبة من أجل تحقيق المصالح مع الالتزام التام والدائم بمضمون القوانين والتشريعات وروحها، حتى تظهر للجميع فوائد الحوكمة عيانا بيانا وتكون قدوة للمؤسسة المعنية ولغيرها.

إن المتتبع الآن لأوضاع المؤسسات الصغيرة و المتوسطة يلاحظ ، ومن دون جهد يذكر، أن هذه المؤسسات تعاني من عدة نواحي. وإذا أخذنا حاجتها للتمويل مثلا، فان الغالبية العظمي منها وبالرغم من الدور العملاق الذي تلعبه في الاقتصاد إلا إنها لا تجد الدعم الكافي والملائم من البنوك ومؤسسات التمويل المختلفة. ومن المبررات العديدة التي تسوغها البنوك ومؤسسات التمويل، أن معظم هذه المؤسسات ينقصها رأس المال الكافي والضمانات القوية وقبل كل هذا تنقصها الخبرة الكافية لإدارة الأموال والمشاريع باحترافية ومهنية. وكذلك عدم توفر الهيكل الإداري الوظيفي واللجان المتخصصة لضمان حسن الإدارة، ومن هذا يظهر أيضا عدم الإلمام والاهتمام بالمبادئ الإدارية المطلوبة، وعدم توفر الأنظمة المحاسبية وفق المعايير المحاسبية المعروفة والمتبعة. وغير هذا وذاك، من المبررات التي تجعل هذه المؤسسات أو تضعها في خانة “غير مؤهلة” تماما للتعامل مع البنوك وبالتالي فانها غير مؤهلة لنيل الأموال والاقتراض الكافي لتمويل المشاريع الكبيرة أو المتوسطة الحجم. هذا هو حقيقة الوضع وهذا بعض ما تعاني منه غالبية هذه المؤسسات.

وكذلك عدم وجود البنيان الإداري المتكامل والواضح وما ينجم عن ذلك من عدم مراعاة الشفافية       والإفصاح، وعدم توفر المعلومات الجوهرية وعدم وجود العلاقة الإدارية المؤسسية التي تربط بين المؤسسة وملاكها من جهة وبين المؤسسة و المجتمع من الجهة الأخرى. كل هذا في نظر الجميع لا يؤهل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للتطلع للإدراج في أسواق المال. وبالتالي عدم فتح المجال أمامها وأمام ملاكها للممارسات السليمة في إطار المنافسة الشريفة التي تتم عبر الأسواق. وما زالت عقيدة أسواق المال والبورصات، في العديد من دول العالم، أن الإدراج يجب أن يكون مفتوحا ومسموحا لشركات المساهمة العامة فقط ؟ وهذه العقيدة والتفكير يجب أن يتغير لأن الضرورات الاقتصادية تحتم ذلك وتركيبة العمل التجاري و”حرية السوق” تحتم فتح الأبواب وتوسيعها ليشمل الإدراج كافة أنواع الشركات المؤهلة ؟ فلماذا نمنح الحق لشركات المساهمة العامة فقط إذا كانت هناك شركات من شرائح أخري مؤهلة.

بل أن مجرد علم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة باحتمال فتح الباب أمامها للإدراج سيقودها تلقائيا إلي انتهاج وتطبيق حوكمة الشركات حتى تجد القبول للإدراج، ومن هذا الوضع في نهاية الأمر ستتغير تركيبة العمل المؤسسي لأن كل أنواع الشركات ستجتهد في تطبيق حوكمة الشركات حتى لا تبقي خارج الدائرة.      ولقد انتبهت بعض الدول لهذه الخاصية وعملت علي إدراج هذه المؤسسات في أسواق المال، وهناك البقاء بالطبع يكون للأقوى والأفضل. وقبل فترة ليست بالقصيرة تم إدراج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في بورصة لندن وكذلك تم في ايطاليا وفي العديد من الدول التي تهتم بتطوير قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بما فيها الشركات العائلية. وفي بورصة البحرين هناك إدراج خاص للشركات المقفلة وهي تقع ضمن خانة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ومن هذا الانفتاح المتطور تستفيد هذه المؤسسات وملاكها   وقبل ذلك يستفيد الاقتصاد الوطني لأن الإدراج بالضرورة يعني تقيد هذه المؤسسات بالالتزام المستمر بشروط الإدراج والشفافية والإفصاح وحسن الإدارة وبالتالي كل مبادئ الحوكمة والإدارة الرشيدة.

ننصح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالعمل الجاد للانخراط في تطبيق حوكمة الشركات لأنها بهذا ستضع نفسها أمام تحدي التطور لأن قطار الحوكمة سيقود بنفسه إلي التطور الذي سيقود الشركة إلي الأمام ويفتح أمامها طريق المستقبل في عدة اتجاهات من ضمنها الإدراج في أسواق المال وبالتالي التعامل في أسهمها وفق المعطيات القانونية اللازمة للإدراج. وهذا الوضع بدوره سيفتح شهية الجميع وعلي رأسهم البنوك       ومؤسسات التمويل للتعامل مع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتودد إليها لكسب ودها ونيل رضاها.      وفي نهاية الأمر يستفيد الاقتصاد ويستفيد المجتمع و يستفيد الكل. وهكذا نكون وضعنا هذا القطاع الهام      والكبير في دائرة الضوء وفي نطاق الأسواق حيث تدخل أسهم كل الشركات في حلبة الصراع وتكون في متناول يد كل من يرغب في الاستثمار السليم.

* بروفيسور القانون الجامعة الامريكية | المؤسس والمدير التنفيذي ع | د. عبد القادر ورسمه للاستشارات ذ.م.م البحرين \ دبي

 

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك