حظر التعامل بالدولار: من يجرؤ على اتخاذ القرار؟

1 مدة القراءة

أعداد/ الدكتورة هانيا فقيه[i]:

بتاريخ 14/11/2019  صدر عن الغرفة الابتدائية السادسة في بيروت الناظرة في القضايا المالية،  في الإستحضار المقدم من جمعية حماية المستهلك اللبناني ضد شركات الاتصالات الأربعة؛ التي تقوم بإصدار الفواتير وبطاقات التعبئة بالدولار الأميركي وبيع الخطوط العادية والمسبقة الدفع، والخطوط المخصصة لخدمة الانترنت بالدولار الأميركي؛ قرارا كتدبير مؤقت واحتياطي لمدة ثلاثة اشهر الزمت فيه هذه الشركات بإصدار الفواتير المتعلقة ببيع الخطوط وتسعير بطاقات الشحن او التعبئة وخدمة الانترنت وسائر الخدمات التي تقدمها للمستهلك اللبناني بالليرة اللبنانية، وفقا للتعرفة الرسمية لسعر صرف الدولار الى الليرة اللبنانية بتاريخ صدور هذا القرار تحت طائلة غرامة اكراهية..

انطلقت المحكمة في قرارها من  نص القانون ولا سيما، المادتين 5 و 24 من قانون حماية المستهلك لجهة انه يتوجب على المحترف الإعلان عن الثمن بالليرة اللبنانية، وتسليم المستهلك  فاتورة تتضمن القيمة الاجمالية بالعملة اللبنانية، ومن ثم لجأت الى نص العقد الموقع  بين الدولة والشركتين الثالثة والرابعة والذي يستدل منه، انه يقتضي على هاتين الشركتين استيفاء الفواتير بالعملة اللبنانية، آخذة بعين الاعتبار الأوضاع المالية المتردية التي تمر بها البلاد ولا سيما لناحية النقص في كمية الدولار الاميركي الموجود في السوق اللبناني واضطرار المستهلك اللبناني الى  تصريف العملة اللبنانية الى الدولار الأمريكي بأسعار مرتفعة متداولة في السوق السوداء وما ينطوي عليه من صعوبة كبيرة يواجهها هذا المستهلك في تسديد الفواتير المستحقة بذمته للشركات المدعى عليها بالدولار الأميركي، وما يلحق بله من ضرر واضح وصريح وهو ضرر جماعي يلحق بالمستهلكين اللبنانيين عامة يضاف الى الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها هؤلاء في ظل الأزمة الراهنة  وتبعا لوجوب الحد من هذا الضرر.

هذا القرار وعلى الرغم من كونه تدبيرا احتياطيا مؤقتا، الا انه وفي ما يتعلق بالسلطة الممنوحة للمحاكم في تحقيق الدعاوى والحكم فيها، وعملا بمبدأ استقلال السلطة القضائية  (المنصوص عليه في المادة عشرين من الدستور اللبناني و المادة الاولى من قانون اصول المحاكمات المدنية) قد أحسن في حماية القوة الشرائية “مؤقتاً”  لليرة الوطنية بحسب السعر الرسمي للدولار، تنفيذاً لقانوني النقد والتسليف، وحماية المستهلك اللبناني واعمالاً للعقد المبرم بين الدولة وهذه الشركات الذي يستدل منه على ان استيفاء الفواتير بالعملة اللبنانية، دون ان يكون للمحكمة مصدرته ان تفرض صدور الخدمات التي تقدمها هذه الشركات بالأصل بالليرة اللبنانية، وتمنع  بالتالي التعامل بالدولار وغيرها من العملات الأجنبية لإستيفاء بدل الخدمات المُقدمة من قبلها، باعتبار انه لا يجوز لها بحسب المادة الثالثة من قانون اصول المحاكمات المدنية ان تصوغ أحكامها في صيغة الأنظمة. وهو ما يقودنا الى تسليط الضوء على مسألة مهمة ومهملة من قبل المشرع اللبناني، وهي حظر الدولار نهائياً في التعامل الداخلي والتعامل بالعملة الوطنية التي تعد جزءاً لا يتجزأ مما يسمى بالسيادة الوطنية المنصوص عليها في مقدمة الدستور اللبناني، ونص المادة الاولى من قانون النقد والتسليف وانشاء المصرف المركزي التي جاء فيها ان “الوحدة النقدية للجمهورية اللبنانية هي الليرة اللبنانية واختصارها الرسمي هو ل.ل”.

وتوجب المادة الخامسة من قانون حماية المستهلك اللبناني رقم 659/2005 على المحترف الإعلان عن الثمن بالليرة اللبنانية بشكل ظاهر بلصقة اما على السلعة أو على الرف المعروضة عليه.  وتضيف المادة الخامسة والعشرون من نفس القانون على أنه يتوجب على المحترف وعلى مقدم الخدمة تسليم المستهلك (….) فاتورة بالعملة اللبنانية . وتعاقب المادة 192 من قانون النقد والتسليف الممتنع عن قبول العملة اللبنانية، بالحبس والغرامة فضلا عن نشر الحكم بحسب المادة 319 من قانون العقوبات، وكذلك الأمر بالنسبة لمن يذيع وقائع ملفقة او مزاعم كاذبة لإحدات التدني في اوراق النقد الوطنية او لزعزعة الثقة في مكانة نقد الدولة (م319 عقوبات)..

هذه النصوص القانونية كما هو واضح تكرس التعامل الرسمي بالليرة اللبنانية، بالمقابل فإن التعامل الداخلي بالعملات الأجنبية ولا سيما الدولار هو حر في مختلف القطاعات الإقتصادية والتجارية والصحية والتعليمية والسياحية… ولما كان  الأصل في الأشياء الإباحة، ولما كان للأفراد ان يرتبوا علاقاتهم القانونية كما يشاؤون شرط ان يراعوا النظام العام والآداب العامة والقواعد القانونية التي لها صفة الزامية (م 166 موجبات وعقود)،  كانت أهمية  المفاضلة بين المصلحة الخاصة للأفراد في ان يرتبوا علاقاتهم كما يشاؤون والحرية المالية بالتعامل بالعملات الأجنبية إعمالا للحرية الاقتصادية في القطاع التجاري التي يتبعها لبنان، وبين  المصلحة العامة وأهمية حماية الافتصاد الوطني، وتعزيز مركز الليرة الوطنية وقوتها واستقرارها، وبالتالي حصر التعامل الداخلي بها.

هذا الإجراء هو ضروري وبديهي في ظل الأوضاع الإستثنائية المتردية التي نشهدها على مختلف الأصعدة وانعكاساتها السلبية على الليرة اللبنانية، والتهافت على طلب وشراء الدولار حتى ارتفع سعر صرفه في السوق السوداء مقارنة مع انخفاض القدرة الشرائية لليرة وارتفاع  متزايد لأسعار السلع والخدمات..

انطلاقاً مما تقدم، هناك حاجة ملحة لإقرار قانون يمنع إستخدام أي عملة غير الليرة اللبنانية في مختلف القطاعات الداخلية تحت طائلة العقوبات اسوة بغيرنا من الدول (زيمبابوي على سبيل المثال)، مع حفظ حريّة الفرد بإمتلاك العملات الصعبة في حسابه المصرفي وحرية استثمارها دون المضاربة على الليرة الوطنية، وحصر استخدامه في التعاملات التجارية الخارجية ولا سيما لحاجات الاستيراد ،على اعتبار أن لبنان هو بلد مستورد للسلع وليس مصدراً لها ومن الطبيعي ان يتم دفع كلفة شراء وشحن ونقل هذه البضائع المستوردة بالدولار.

ونشير في هذا المجال الى مشروع القانون المعجل الذي تقدّم به النائب هاغوب ترزيان من مجلس النواب الذي ينص على “إلزام الشركات التي تُدير مرافق عامّة التعامل بالعملة الوطنية اللبنانية حصراً”.

وإذا تطرقنا الى نتائج تطبيق حظر التعامل الداخلي بالدولار سواء بالنسبة للمرافق العامة او في القطاع الخاص، فستكون الصورة معكوسة لما يجري اليوم، فسيتهافت مالكي الدولار الى تصريفه الى العملة الوطنية لأنهم باتوا يملكون عملة لا قيمة لها في الاقتصاد اللبناني، وبالتالي سينخفض الطلب عليه وفقاً لقاعدة العرض والطلب المعروفة، في مقابل انتعاش الليرة اللبنانية، وبالتالي الاقتصاد اللبناني واستعادة الثقة رويداً رويداً في دولة القانون والمؤسسات.

فلماذا الإنتظار على اتخاذ قرار يسهم في حل الأزمة الاقتصادية ويمنع الإنهيار؟

[i] د.هانيا فقيه،استاذة متعاقدة في الجامعة اللبنانية /كلية الحقوق والعلوم السياسية الفرع الخامس والأول، وفي مركز الدراسات والأبحاث القانونية في الجامعة اللبنانية.

 

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك