تقرير عالمي.. الفساد في الدول العربية يهدد حق المواطنين في الحياة

1 مدة القراءة

إعداد | أسرار شبارو:

كشفت منظمة الشفافية الدولية، في تقرير حديث نشرته على موقعها الرسمي، عن فشل معظم الدول العربية في تحسين مواقعها على مؤشر مدركات الفساد على مدى أكثر من عقد من الزمن، ما يُعيق حصول المواطنين على الخدمات الأساسية، بما في ذلك الصحة والتعليم، بل ويهدد في كثير من الحالات حقهم في الحياة.

وأوضحت المنظمة أنه بحسب مؤشر مدركات الفساد (CPI) لعام 2023، بلغ متوسط الدرجات المُجمَّعة للدول العربية 34 من أصل 100، مما يشير إلى طريق طويل ينبغي اجتيازه لضمان النزاهة والعدالة في مختلف أنحاء المنطقة.

وأُدرجت سبع دول عربية ضمن الدول التي سجّلت أدنى عشر درجات لمؤشر مدركات الفساد لهذا العام، بينما تعيش 80% من بلدان المنطقة في صراعات وتعاني من عدم الاستقرار على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.

وعزت المنظمة هذه النتائج إلى ارتفاع مستويات الفساد السياسي الذي يُقوّض جهود مكافحة الفساد في مختلف أنحاء المنطقة، لافتة إلى أنه “رغم تعهدات البلدان العربية بمكافحة الفساد، غالباً ما تتخلى الحكومات عن الالتزام بها، كما أن الإدارات الجديدة كثيراً ما تتجاهل المبادرات، ما يؤدي إلى فقدان الزخم”.

ورأت أنه في مختلف أنحاء المنطقة، تتبنى استراتيجيات مكافحة الفساد الحالية في المقام الأول نهج ردّ الفعل وليس النهج الوقائي. وقد فشلت العديد من الدول التي قامت بصياغة القوانين والسياسات في تعميم تدابير لمكافحة الفساد بشكل منهجي ودعمها بآلياتٍ فعالة للإنفاذ والوقاية.

ويصنف مؤشر مدركات الفساد 180 بلداً وإقليماً من خلال مستويات فساد القطاع العام على مقياس من صفر (شديد الفساد) إلى 100 (نظيف جداً).

ووفقاً للمؤشر، سجّل أكثر من ثلثي الدول أقل من 50 من أصل 100 درجة، مما يشير إلى أنها تعاني من مشاكل فساد خطيرة. فالمتوسط العالمي عالق عند مستوى 43 فقط، في حين أن الغالبية العظمى من الدول لم تحقق أي تقدم أو تراجعت في العقد الماضي، إضافة إلى ذلك، تراجعت 23 دولة إلى أدنى درجاتها حتى الآن هذا العام.

وفيما يتعلق بالعالم العربي، سجّلت الإمارات أعلى الدرجات بين الدول العربية 68 درجة، محتلة المرتبة 26 عالمياً، تلتها قطر بـ 58 درجة حيث احتلت المرتبة 40 عالمياً، بينما سجّلت ليبيا 18 درجة، واليمن 16 درجة، وسوريا 13 درجة، والمراتب 170 وعالمياً 176 و177 عالمياً على التوالي، أما الصومال فاحتلت المرتبة الأخيرة ضمن القائمة بنتيجة بلغت 11 درجة من 100.

وتصدرت الدنمارك بـ 90 درجة على المؤشر، تلتها فنلندا ونيوزيلندا بدرجات 87 و85 على التوالي.

ومنذ إنشائه في عام 1995، أصبح مؤشر مدركات الفساد المؤشر العالمي الرائد لرصد فساد القطاع العام. يسجل المؤشر النتائج لـ 180 بلدا وإقليما حول العالم وفق مدركات الفساد في القطاع العام، باستخدام بيانات من 13 مصدراً خارجياً، بما في ذلك البنك الدولي، والمنتدى الاقتصادي العالمي، والشركات الخاصة للاستشارات وحساب المخاطر، والمجمعات الفكرية وغيرها. وتمثل درجات المؤشر آراء الخبراء ورجال الأعمال، وفقا للمنظمة.

دور الحروب والصراعات

تشرح المستشارة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة الشفافية الدولية، كندة حتر، أنه “في مختلف أنحاء المنطقة، يعوق تفشي الفساد التقدم، كما يؤدي إلى تعميق الظلم الاجتماعي والهيكلي. ورغم الرغبة في معالجة هذه القضايا، يعزز الافتقار إلى الالتزام المستمر بتدابير مكافحة الفساد انعدام الثقة بين الحكومات والمواطنين، ما يؤدي إلى تأجيج عدم الاستقرار السياسي، وتعزيز عدم المساواة، وتصعيد الصراعات”.

وتعاني الدول من ظاهرة الفساد بنسبة متفاوتة، وتكاد لا تخلو دولة من هذه الأفة، كما يقول رئيس مركز المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية، برهان الخطيب، مشيراً إلى أن “هناك أسباب ومظاهر عديدة للفساد ودور لكل مؤسسة من المؤسسات العاملة في الدول سواء في القطاع العام أو الخاص أو منظمات المجتمع المدني، فظاهرة الفساد تطال الجميع بنسب متفاوتة، وكل منها تساهم به سواء أكان بشكل منفرد أو في العلاقة التبادلية فيما بينها”.

وأكثر مظاهر الفساد تكمن كما يقول الخطيب لموقع “الحرة” في القطاع العام “نظراً لانعدام الرقابة أو بطء المؤسسات الدستورية في إصدار القوانين أو الأنظمة التي تكافح الفساد وغياب السياسات التي تساهم في اقامة الحوكمة الرشيدة، كما يقوّض الفساد السياسي جهود مكافحة الفساد لا سيما في لبنان والعديد من دول المنطقة”.

ويشير تقرير المنظمة إلى أن الحروب والصراعات في بلدان الشرق الأوسط وشمال فريقيا تحول دون تطوير نظم للنزاهة وسياسات وآليات فعالة لمكافحة الفساد، وتشكّل زيادة الدول العربية من نفقاتها الدفاعية استجابة للعديد من الصراعات مخاطر كبيرة للفساد.

ويشرح التقرير أن حالة الحرب المستمرة في اليمن تخلق حلقة مفرغة من الفساد، حيث إن اقتصاد الحرب يسمح للفاسدين بتكديس الثروات والإفلات من المُساءلة، بينما يعجز الملايين من الناس عن الحصول على المساعدات الطارئة والرعاية الصحية.

أما فيما يتعلق بمصر، فيشير التقرير إلى أن درجتها تتذبذب حول 35 درجة لأكثر من عقد من الزمن، ولا تزال من بين الدول ذات الدرجات الأدنى في العالم في مؤشر سيادة القانون، نتيجة تأثير الجيش على عملية صنع القرار السياسي وتقويض القطاع الخاص بشكل كبير والإسهام في الأزمة الاقتصادية، إضافة إلى الانفاق المكثف على البنية التحتية، الذي يفتقر إلى الشفافية وإلى استراتيجية اقتصادية قوية، ما أدى إلى زيادة كبيرة في الدّيْن الوطني.

وفي ليبيا يستخدم النفط كوسيلة للمناورة، ما يترك البلاد عالقة في مواجهة سياسية ويعرّض الموارد الطبيعية الغنية لخطر الاستغلال، أما في الأردن التي حصلت على 46 درجة، فيعتمد تحصيل الفرص غالباً على العلاقات الشخصية، ولذا، من الأهمية تحديد الأسباب الجذرية للفساد للتمكّن من محاربته.

بين الالتزام واللامبالاة

تواجه تونس (40 درجة) بحسب منظمة الشفافية الدولية، تحديات ديمقراطية كبيرة، حيث تشرح في تقريرها أن هيئة مكافحة الفساد قُوِّضت بشكل ملحوظ، ما وجه ضربة قاسية للمساءلة والشفافية، وعرّض سلامة الناشطين والمُبلِّغين عن الفساد للخطر، كما أدت حملة القمع المكثفة التي تشنها الحكومة على حقوق الإنسان إلى تفاقم هذه القضايا بصورة أكبر.

أما لبنان (24 درجة) فشهد على مر السنين كما جاء في التقرير، تراجعاً كبيراً في المؤشر، حيث انخفضت درجته ستّ نقاط منذ عام 2012. ورغم دعوات المجتمع المدني التي تحث الحكومة على أخذ الفساد على محمل الجد، ترك انفجار مرفأ بيروت في عام 2020 البلاد دون مسار واضح للمُضيّ قدماً من أجل إنشاء نظام وطني قوي للنزاهة.

وتقوَّض العديد من جهود مكافحة الفساد في لبنان والعراق (23 درجة) بسبب الهياكل السياسية الضعيفة والافتقار المستمر إلى الإرادة لبناء نظم مناسبة للنزاهة.

وتظهر التقارير الأخيرة ممارسات فساد في البلدان المحيطة بغزة، ومن الأمثلة على ذلك كما ذكرت منظمة الشفافية الدولية استحصال “رسوم” على الحدود من أولئك الفارين من ويلات الحرب.

وحصلت الكويت (46 درجة) هذا العام على أعلى درجة لها على المؤشر منذ عام 2015، ومهدت الطريق نحو التزامات أقوى لمكافحة الفساد على المستوى الوطني.

يلاحظ كما يقول الخطيب “أوجه التشابه بين العديد من الدول على صعيد استشراء الفساد في كل مفصل من مفاصل الدولة”، ويضيف “يطال الفساد كذلك مؤسسات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، فالأولى تساهم بشكل كبير في ظهور الفساد في الدولة من خلال شبكة المصالح التي تبنيها مع المنظومة السياسية والإدارية لأجل تمرير مصالحها وصفقاتها”.

أما فيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني “التي تكونت باعتبارها لا تبغي الربح” نرى اليوم يقول الخطيب أنها “دخلت بشكل كبير وواسع في منظومة الفساد في العديد من الدول لا سيما تلك التي تعاني من الحروب والأزمات.. فمثلاً في لبنان ضجت الأروقة بالحديث عن السمسرات والصفقات والسرقات واستغلال معاناة اللبنانيين في أكثر من أزمة وأبرزها انفجار مرفأ بيروت.

كما يتبين من خلال التقرير الأخير الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية، بحسب الخطيب أن “الدول التي توفّر الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني والتنمية والإمكانيات المالية للصرف على المؤسسات الحكومية من هيكليتها وتنمّي مواردها البشرية وتعتمد آليات حديثة وتكنولوجية وكذلك الشفافية والمحاسبة من أعلى السلم الوظيفي إلى أدناه، تتقدم في المؤشر وتسجّل تطوراً في مكافحة الفساد”.

ويضيف “أما الدول التي تعاني من الحروب وعدم الاستقرار السياسي والدستوري والاجتماعي وعدم تحديث الإدارة العامة وعدم اعتماد الشفافية والمحاسبة وطغيان التنفيعات والوساطات والطائفية في تركيب المؤسسات الدستورية والإدارية فتحتل أدنى سلم المؤشرات.

سلسلة مترابطة

“إن الفساد لا يسرق الموارد فحسب، بل يسلب الأمل من الناس”، هذا ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالة مصورة بُثّت خلال افتتاح الدورة العاشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، في مدينة أتلانتا الأميركية، في شهر ديسمبر، والذي هدف إلى تقييم الجهود العالمية لمكافحة الفساد.

وحققت الاتفاقية منذ اعتمادها التزاماً شبه عالمي، كما ذكرت الأمم المتحدة “حيث بلغ عدد الدول الأطراف فيها 190 دولة، مما يمثل شهادة على التزام المجتمع الدولي الثابت بالقضاء على الفساد وتأثيره الضار على السلام والعدالة والتنمية المستدامة”.

ودعا الأمين العام في رسالته “جميع الأطراف إلى اغتنام هذه الفرصة لتعزيز التعاون الدولي لمنع الفساد وكشفه ومحاكمته، بالشراكة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص”.

وبالرغم من إعلان أكثر من دولة في المنطقة ولبنان السعي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إلا انها لم تف بالتزاماتها بحسب الخطيب “فيما يتعلق بالعدالة وحقوق الإنسان وإقامة دولة القانون والمؤسسات”، ويعود ذلك إلى “غياب البنية التحتية المناسبة والنظم الوطنية للنزاهة، وغياب الشفافية والقضاء النزيه والعادل، حيث يشكل تراجع دور وأداء القضاء أبرز المؤشرات السلبية، فكيف إذا ضرب الفساد بناء وآلية عمل السلطة القضائية التي تقع المسؤولية الأساسية في مكافحة الفساد على عاتقها”.

ويتطلب التغيير الحقيقي في الدول العربية مراجعة الواقع، كما ترى منظمة الشفافية الدولية، وذلك “من خلال نهجٍ شامل يعالج الأسباب التي تكمُن وراء الفساد ويعطي الأولوية للوقاية بدلاً من البناء على نظم قائمة على أسس فاسدة للغاية، حيث لا يمكن للحكومات أن تدّعي نجاحها في مكافحة الفساد ما لم تتمكن جميع قطاعات المجتمع، وفي المقام الأول المجتمع المدني ووسائل الإعلام والقطاع الخاص، من المشاركة بشكل كاف في هذه العملية”.

أما الخطيب فيرى أنه “لا بد من وضع سياسات واستراتيجيات صالحة التطبيق تراعي بيئة ومتطلبات كل دولة، تتركز في استقرار المؤسسات الدستورية والإدارية واعتماد الشفافية والمحاسبة والرقابة فيهما، وبناء الإدارة والمتكاملة وعدم اعتماد إصلاحات جزئية، فلا بد من حل شامل يطال القوانين والأنظمة وتطوير الموارد البشرية وتأمين وسائل العمل الحديثة”.

ويختم مشدداً على أن “الأمن يوّلد الاستقرار، والاستقرار يوّلد الاستثمار والاستثمار يوّلد الازدهار”.

المصدر: الحرة

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك