(الطفل في المغارة) وبيروت ترنم

0 مدة القراءة
بقلم | أحمد الغز:
 الايام القادمة ستكون شديدة الغموض نتيجة ما تشهده المنطقة من مجازر واهوال ودمار لم يسبق ان رأته البشرية بهذه الوقاحة، والوضوح في ازدواجية المعايير الانسانية والوجودية والعنصرية وعمليات الابادة الجماعيه بالجوع والعطش والمرض والتشرد والاوبئة والقهر الوحشي وتحويل المستشفيات والمدارس ومراكز الايواء الى ساحات عنف وقتل ودمار، حيث يفترش الارض الاطفال المرضى مقطعي الاوصال في مستشفيات العراء حيث الاطباء قيد الاعتقال، انها ايام تجاوزت وقائعها خيال الاساطير والنبوءات التي تتحدث عن الويلات والمتاهات، انها ايام بالغة الاثر والتعقيد في ذاكرة الاجيال لشدة ما تحمله من مشاهد واهوال يولد فيها الانسان من تحت الحطام والركام.
            الايام القادمة ستشهد موجات وموجات من العنف والانتقام والتحلل من الروابط والقيم الجامعة وستشهد العديد من المجتمعات انهيارات وتحولات ومتغيرات بمعايير القوة والتقدم والازدهار، وسيعرف الكبار والاقوياء ان القهر والظلم والاستكبار سوف يقضي على ترف التنعم بالتفوق والاستقرار، والشواهد كثيرة على تحول الاقوياء الكبار الى ركام وحطام من الامبراطوريات الدينية والقومية والاستعمار القديم والجديد الى الاتحاد السوفياتي العملاق، وسوف تشهد البشرية تغييرا في المفردات والسرديات الإعلامية بعد ان استخدمت كل مهارات البلاغة في تزوير الحقائق وبكل اللغات.
            الايام القادمة على المنطقة والعالم ستكون شديدة القسوة على أصحاب الخصوصيات من الدول والمجموعات المانعة للتقدم والاندماج، الايام القادمة ستشهد التباسات معقدة في التمييز بين البدايات والنهايات (وسيتذكر القيصر بانه انسان) وبانه اضعف من ان يقتل ويقهر من دون رادع او حساب، الايام القادمة ستجد الاجيال الصاعدة من كل الشعوب والاعراق مساحات مشتركة للتعارف والتقارب والحوار وبناء الصداقات والاحزاب والتيارات العابرة للحدود والهويات عبر تكنولوجيا الاتصالات، وستتغير معايير الهجرة والاغتراب وستشهد البشرية هجرة مضادة بعيدا عن التفاهات التنافسية والاسواق حيث الانسان لم يعد انسان.
            الايام القادمة في لبنان والمنطقة ستشهد افلاس البنوك الطائفية الوهمية وسيخسر الكثيرون ودائعهم لدى زعماء الطوائف والميليشيات، الايام القادمة سيموت الفساد والفاسدون وستعرف الاجيال الصاعدة كيف ان طابخ السم آكله، و سيكتشف الممثلون الفاشلون من ساسة لبنان بانهم كانوا يخدعون انفسهم بعد ان سقط المسرح منذ عقود طوال ولا يزال الممثلون يمثلون، وسيشهد لبنان موجات من التجدد والتوازن والعدالة والانصاف وتكافؤ الفرص والانسان المناسب في المكان المناسب على اساس النزاهة والجدارة والعطاء اللامتناهي من اجل لبنان.
            الايام القادمة ستشهد دول الجوار اللبناني مراجعات ومراجعات لكل ما ارتكبوه بحق مساحات الحرية والانفتاح في لبنان، وكيف انهم تنعموا بالحريات المدنية اللبنانية وحسن الجوار وبادلوا لبنان بالحقد والكراهية والاستئثار، وتنكروا لكل ما اكتسبوه من حريات سياسية واعلامية وعلمية وعقائدية ودينية وتنعموا بالسكينة والأمان، وكيف ان بيروت جعلتهم في حالة انفتاح وتواصل مع كل الثقافات والحضارات والعواصم والقارات ايام كانت زيارة خاطفة الى بيروت لساعات قليلة تغنيك عن التجوال في عواصم العالم على مدى اشهر وسنوات.

            تشهد بيروت هذه الايام عودة الابناء والاحفاد حيث تمتزج مرارات الغربة والعدوان مع فرحة الميلاد، حيث (الطفل في المغارة وامه مريم وجهان يبكيان) على حصار بيت لحم والقدس والضفة وعلى القتل والدمار في غزة والاحتلال في الناصرة والتهديد والوعيد في الجليل اللبناني والمجزرة في قانا الجليل، وعلى الرغم من القهر والاغتيال والتعطيل والخواء لا تزال بيروت ترنم ترحيبا بالميلاد المجيد بارقى المعزوفات الوطنية والعالمية لكي يبقى لبنان لبنان، وحفظ الله لبنان.
المصدر: اللواء

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك