«الطاقة» في بحر قزوين: أولوية صينية واستراتيجية أميريكية (1991-2021)

1 مدة القراءة

إعداد | الباحثة رانيا جان الحتي:

لم تكن منطقة بحر قزوين معروفة إلى حد كبير خلال الحكم السوفياتي، فقد كانت هذه الأقاليم جمهوريات ضمن نطاق الإتحاد السوفياتي السابق، ولم تكن تحظى بأهمية سياسية واقتصادية كبرى، وبعد انهيار الإتحاد السوفياتي السابق عام 1991، ونيل ثلاث دول مشاطئة لبحر قزوين استقلالها، إختلفت التوازنات الجيوسياسية واستقطبت هذه المنطقة الاهتمام الدولي.
ويرجع هذا التصاعد في الأهمية النسبية لدول بحر قزوين، بصفة رئيسية أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، إلى وجود النفط والغاز بدرجة كبيرة فيها، كما وتشكّل المنطقة نقطة استثمار لشركات الطاقة الدولية، وبدأت تستحوذ على اهتمام هذه الشركات في السنوات الأخيرة من الحقبة السوفياتية، وتصاعد الإهتمام باستمرار إعتبارا من عام 1991 حتى عام 1997 حيث شهدت هذه الفترة بروز المنطقة بوصفها أكبر منطقة جديدة في العالم للإستثمار في مجالات ما قبل إنتاج النفط التي تشمل الكشف والتنقيب والإستخراج.
وقد كان للاهتمام التجاري بنفط بحر قزوين تأثير واضح في مواقف الدول، فبالنسبة إلى دول كثيرة أعطى المخزون النفطي أهمية سياسية واقتصادية للمنطقة لم يكن بالإمكان أن تتمتع بها في حالة انعدامه.
وإلى جانب النفط، هناك الكثير من العوامل التي تزيد من الأهمية الإستراتيجية للمنطقة، إذ يقع بحر قزوين بين روسيا وتركيا وإيران والصين في منطقة شديدة الإستقطاب والتنافس الجيوسياسي حيث تسعى كل دولة إلى الحصول على امتيازات ونفوذ فيها. وكون النفط يشكّل النواة الأساسية لأهمية المنطقة، إلا أن إستخراجه ليس بهذه السهولة، ويعود ذلك إلى معضلات عدّة أبرزها إختلاف الدول المشاطئة على تحديد الوضع القانوني لهذا البحر وفقًا لما يتناسب ومصالحها، فحتى انهيار الاتحاد السوفياتي كان هناك دولتان فقط تحيطان ببحر قزوين هما إيران والإتحاد السوفييتي، ولم يكن هناك أي تحديد دقيق للحدود السوفياتية-الإيرانية. وكانت معاهدة عام 1940 قد منحت كلًا من الدولتين «حقًا حصرياً لصيد الأسماك في حدود المياه الإقليمية حتى مسافة 10 أميال بحرية، ونصّت المعاهدة على أن «الدولتين تعتبران بحر قزوين ملكًا لإيران والإتحاد السوفياتي» دون أن يكون لأي طرف ثالث أي حقوق.
ومع تبدّل الخريطة الجيوسياسية وظهور دول حديثة مشاطئة لهذا البحر، إنقسمت المواقف بين دول تريد اعتبار بحر قزوين «بحرًا داخليًا» وليس لديه أي رابط طبيعي يصله بأي بحر آخر (روسيا وإيران)، في حين اعتبرت أذربيجان وكازاخستان بضرورة إعتبار بحر قزوين «بحرًا مفتوحًا» خاضعًا للقانون الدولي للبحار.
ولقد تمّ طرح منهجين لحلّ الوضع القانوني لبحر قزوين عقب إنهيار الاتحاد السوفياتي، وهما: التسوية الإقليمية الشاملة التي يتم التوصل إليها بإجماع الدول المشاطئة، أو عقد اتفاقيات ثنائية بين مختلف الأطراف يتم التفاوض بشأنها على أساس المصالح الذاتية. وأظهر تاريخ النظام القانوني بعد حقبة الإتحاد السوفياتي فشل الجهد الذي كان يتركز على التوصل إلى إتفاقية إقليمية شاملة، وعلى النقيض من ذلك فقد توصّلت دول المنطقة منذ عام 1996 إلى إتفاقيات ثنائية لتقسيم حوض البحر إلى قطاعات تابعة لها، وإضافة إلى الإختلاف على الوضع القانوني، فمنطقة بحر قزوين محاطة باليابسة من جميع الجهات، ولن تكفي خطوط الأنابيب التي تعود إلى الحقبة السوفياتية لنقل الكميات الجديدة من النفط إلى الأسواق الخارجية. أما بالنسبة إلى الشركات المعنية، كان تمويل وتشييد بنى تحتية عالية التكلفة لخطوط أنابيب أكبر تحدّ سياسي وتجاري تواجهه في المنطقة، ولهذا السبب تخوض الدول الإقليمية المجاورة وغير المجاورة للبحر منافسة لتوفير المسارات التي ستمر عبرها خطوط أنابيب الغاز والنفط، ولهذا الغرض طرحت عروضًا تتضمن رؤية كل دولة منها لمسارات خطوط الأنابيب التي ترى أنها تخدم مصالحها. ومع بلوغ القرارات بشأن المسارات المفضلة مرحلة الذروة دخلت عوامل جيوسياسية أخرى، منها الحرب في أفغانستان والخلاف بين أرمينيا وأذربيجان على ناغورني-كاراباغ والحركات الإنفصالية في الشيشان والحرب بين روسيا وجورجيا، وصراع تركيا مع الأكراد والحصار الإقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران.

* طالبة دكتوراه في العلوم السياسية في المعهد العالي للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية والإدارية والإقتصادية في الجامعة اللبنانية

المصدر |  مجلة القرار للبحوث العلمية | العدد السادس | المجلد الثاني | السنة الأولى | حزيران (يونيو) 2024 | ذو الحجة 1445

ElQarar http://www.elqarar.com

مجلة القرار للبحوث العلمية المحكّمة

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك