استثمار النفط والغاز في لبنان: التحدّيات الماثلة والحلول الممكنة

1 مدة القراءة

إعداد | د. فادي نديم الحسنية:

بينما ينتظر اللبنانيّون الفرص والمكاسب المحتملة نتيجة الدراسات التي رجّحت بشدّة وجود النفط والغاز في مياهه وأرضه، تبرز عدّة عوائق وتحدّيات تُقيِّد قرارات ونشاطات الدّولة اللبنانيّة، في الفوضى الجيوسياسيّة التي تعيشها المنطقة منذ عقود، وهذه الفوضى تتسبب بعدم استقرار سياسيّ-أمنيّ وبغموض تجاه المستقبل، فالتغيُّرات الجذريّة في السياسات الخارجيّة للاعبين الإقليميّين والعالميّين، قد تأخذ المنطقة والعالم نحو الاستقرار والسلام، أو نحو الحروب التي قد تّتسبب بكوارث وتداعياتٍ عظيمة، وقد تجلب هذه الحروب أيضًا فرصًا وتفرض إعادة النظر بالسياسات الخارجيّة تجاه المنطقة، كونها تعتبر من أهمّ خزانات العالم في موارد الطاقة، وفي المتابعة للتطورات الدوليّة، نلاحظ التغيير الحاصل في السياسة الخارجيّة الأميركيّة تجاه المنطقة، وأيضًا التحول في سياسات بعض دول المنطقة، لا سيّما الخليجيّة منها تجاه الكيان الإسرائيلي وإيران، ولا يخفى على أحد أن هذا التغيير ناتج عن إعادة النظر في الحسابات المتعلّقة بالتحالفات وبالأولويّات في معالجة الملفات الدوليّة، وذلك استنادًا لعدّة اعتبارات، أهمّها أمن الطاقة وضمان سلاسل الإمداد والتوريد للسلعة الأكثر أهمّية حاليًّا، والأهمّ من ذلك كله، هو حسابات الربح والخسارة في أي صراع أو حرب تنخرط فيها الدّول، لذلك أصبحت البراغماتيّة تحكم العلاقات الدوليّة أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وكل المواقف والالتزامات أصبحت قابلة للتعديل، ولا مشكلة في إيجاد المبرّرات لهذه التعديلات وللانعطافات الحادة في ما يتعلق بالسياسة والأمن والاقتصاد، فكثير من الأقنعة قد سقط، وأصبح كل شيء واضحًا في التسويات التي تحدث في السر والعلن، ويبقى الخاسر الأكبر من يتأخر عن فهم واستيعاب السياسات الخارجيّة الحاليّة للدول العظمى والدّول اللاعبة في المنطقة، ومن لا يستطيع تحليل الأحداث وقراءة المؤشرات واستيعاب المتغيرات وتوقع ما قد يحدث في المستقبل.
يأخذ البعض على المسؤولين اللبنانيّين المبالغة في المواقف في قضايا وخلافات إقليميّة وعالميّة، والذهاب بعيدًا في التحيّز لمصلحة الأطراف الخارجيّة دون المصلحة الوطنيّة، كما أنّ رؤيتهم لمستقبل لبنان تختلف كليًّا، وتختلف معها أيضًا كفاءتهم ونزاهتهم في إدارة الوزارات والمؤسّسات التي يتقاسمونها، وتعتبر هذه المسألة من أبرز التحدّيات والعوائق الداخليّة التي تواجه لبنان، ليس فقط في إدارة ملف النفط والغاز، بل في إدارة شؤون البلاد كافّة، كما أنّ التدخّلات الخارجيّة من قبل الدّول التي أنشأت فاعلين داخليّين ووكلاء يعملون لمصلحتها تزيد المشهد تعقيدًا.
يستبشر اللبنانيّون خيرًا في ملف استثمار النفط والغاز، على الرغم من النكبات وخيبات الأمل كافّة التي مرَّت عليهم، وهم لا زالوا يؤمنون بعمل المؤسّسات، وبوجود أشخاص أكفّاء لإدارة هذا الملف الذي يحتوي على الكثير من المسائل والتفاصيل التقنيّة والإداريّة، والتي تتطلب خبرة ومهارات عالية، وأيضًا نيّات حسنة ونظافة كف وحوكمة رشيدة، هناك ما يكفي من الخيارات الجيّدة والتي يجب أن تُدرس بشكلٍ دقيق وبخبرة عالية لتحديد ما هو أفضل للبنان، فالخسارات التي ستنجم عن أيّ قرار أو اختيار خاطئ، ستكون كبيرة ولا تعوَّض.
أهمّية البحث.
من خلال ما تقدم، أجد أن للموضوع المطروح أهمّيّة كبيرة، ليس فقط على الصعيد الداخلي اللبنانيّ، بل أيضًا على المستوى الإقليميّ وربما العالمي، وتكمن أهمّيته في عدة نقاط، أبرزها أن هذا الموضوع قد يكون سببًا لتوتّرات عسكريّة في المنطقة، وثانيًا أنّه يُمثِّل خشبة الخلاص للشعب اللبنانيّ في بحر أزماته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة.

الإشكالية.
تبرز في صلب معالجة هذا الموضوع والبحث فيه، إشكاليّة أساسيّة تتمثل بما يلي: هل يمكن للبنان استثمار ثرواته النفطيّة والغازيّة المحتملة في ظل التحديات الماثلة ومنها انقسام مكوّناته الوطنيّة وصراع مصالح القوى الإقليميّة والدوليّة وتبدّل خارطة تحالفاتها؟
ترتبط بالإشكاليّة البحثيّة أعلاه عدة تساؤلات منطقيّة تساعد في حال الإجابة عليها، على كشف وتوضيح النقاط والقضايا الهامة كافّة، والتي تستوجب الخوض فيها وتوضيحها وكشف حقائقها، وهذه التساؤلات هي التالية:
الفرضيات.
في سياق معالجة هذا الموضوع الهام، تبرز فرضيتان أساسيتان متعلّقتان بواقع المسألة، ومن الممكن طرحهما على الشكل التالي:
الفرضيّة الأولى: تتمثل باتّفاق الجهات السياسيّة اللبنانيّة، وتحت تأثير الأزمة الاقتصاديّة الخانقة والضغوطات الداخليّة والخارجيّة، على إبعاد هذا الملف عن الاستثمار السياسيّ والإسراع بالاستفادة من الثروة البترولية بغية الخروج من الأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة الخانقة. ويتفرع من هذه الفرضيّة مساران، الأول يتمثل بإعلاء المصلحة اللبنانيّة على المصلحة الخاصة للجهات السياسيّة الداخليّة والخارجيّة، وبالتالي الذهاب نحو الخيارات الأفضل والأكثر أمانًا من النواحي الماديّة والأمنيّة. أمّا المسار الثاني فهو يتمثل باعتماد سياسة المحاصصة وبالتالي تقاسم الحقول النفطيّة والغازيّة بين الأطراف اللاعبين على المسرح الإقليميّ وربما الدّولي، هؤلاء اللاعبين الذين تُجسّد وتُنفّذ سياساتهم ومصالحهم، أطراف داخليّة لبنانيّة ذات دور وتأثير في السياسة العامّة الداخليّة والخارجيّة.
الفرضيّة الثانية: تتمثل هذه الفرضيّة بعدم اتّفاق الأطراف السياسيّة الداخليّة على كيفيّة استثمار هذه الثروة. وذلك بسبب تعقيد الوضع الإقليميّ والدّولي في النواحي السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة، وعدم التوصّل لاتّفاقات في شأن قضايا متعدّدة. أهمّها الاتّفاق النووي مع إيران ومتفرعات الأخرى، ومسألة الحرب التي يشنها العدو الإسرائيلي على قطاع غزّة بالإضافة إلى الحرب الروسيّة-الأوكرانيّة وما نتج وسينتج عنها من تغيّرات في موضوع أمن الطاقة العالمي، وكيفيّة إعادة توزيع مصادر الطاقة والخارطة الجديدة لشبكات النقل.
الأهداف.
من خلال مناقشة وتحليل الفرضيّات أعلاه، سوف أسعى إلى تحقيق أهداف البحث، والتي نلخّصها بالتالي:
– تحديد الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي تؤدّي إلى عرقلة سير هذا الملف على المستوى الداخلي.
– تحديد التأثيرات الخارجيّة على هذا الملف ومدى الضغوطات الممارسة على القرار اللبنانيّ.
– إيجاد آليّات وحلول عمليّة لعزل الملف عن التجاذبات الداخليّة التي تحكمها المصالح الشخصيّة والحزبيّة، والرغبة في تحقيق مكاسب مادّيّة.

المصدر | مجلة القرار للبحوث العلمية | العدد الثاني | المجلد الأول | السنة الأولى | شباط (فبراير) 2024 | شعبان 1445

عرض كامل الدراسة |  PDF 388 KB

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك