تفاعلات حادّة وواسعة مع ملفين ذات طبيعة قضائية – سياسية

0 مدة القراءة

مع أن تموجات أزمات المحروقات لا تبقي هامشاً كبيراً لتتبع التطورات السياسية والقضائية، فإنها لم تحجب في الساعات الأخيرة تصاعد الاحتدامات والتفاعلات الحارّة للغاية مع ملفين ذات طبيعة قضائية – سياسية باتا في واجهة الحدث الداخلي وتنذران تباعاً بمزيد من الاحتدام على خلفية اتهام القضاء المحسوب على العهد بالتصرف من وحي التسخير السياسي. الملف الأول تمثل في “انفجار” تداعيات سلبية متعددة الاتجاهات حيال ادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية فادي عقيقي على رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في ملف أحداث الطيونة. والملف الثاني تمثل في الضجة التي لا تقل حدة واتساعاً حيال الإجراءات التي تتخذها النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون في حق المصارف مقترنة بسلوكيات مثيرة لمزيد من الاستنكارات في شأن المواجهة التي تسببت بها مع الإعلام من خلال الإعلامي مارسيل غانم ومحطة “أم تي في”.

في الملف الأول بدا لافتاَ أن جعجع تجاهل أمس خلال إعلانه مرشحي “القوات اللبنانية” في البقاع الشمالي أي ذكر مباشر للتطور المتعلق بادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية عليه شخصياً باستثناء إشارة سريعة عبر كلمته إلى الواقع القضائي فحسب في ما فسر بأنه تجاهل متعمّد لأن جعجع يتصدى بكل الوسائل القانونية والقضائية المركزة لمحاولة الاقتصاص السياسي منه عبر رد كل محاولات تسخير بعض القضاء ضده لأهداف سافرة مكشوفة . لذا جاء كلام جعجع أمس بمثابة تثبيت حاسم لهوية المعركة السياسية والسيادية مع تحالف “التيار الوطني الحر و”حزب الله” واتسمت مواقفه بتصعيد ملحوظ.

وإذ أعلن جعجع إعادة ترشيح النائب أنطوان حبشي عن المقعد الماروني في البقاع الشمالي ودعم المرشح المستقل د. إيلي بيطار عن المقعد الكاثوليكي في البقاع الشرقي في لقاء أقيم في المقر العام لحزب “القوات” في معراب، قال في كلمته “السهل ليس سهلاً أبداً، لذا قبلنا التحدي لنؤكد للجميع أن بعلبك – الهرمل تستحق و”بدا وفياً”. فهي ليست منطقة نائية، ولكن الفريق الذي أتخذها رهينة هو الذي جعلها نائية لا في الجغرافيا فقط بل بالإنماء ايضاً. النأي الوحيد بالنفس الذي مارسوه هو النأي بالنفس عن بعض المناطق ولا سيما هذه المنطقة العزيزة جداً من لبنان. إهمال ووعود “هوائية” بالإنماء ذهبت هباء، وحرمان لا يفرّق بين شيعي وماروني وسني وكاثوليكي وأرثوذكسي. للأسف بعلبك الهرمل منطقة مخطوفة ومرهونة لمصلحة محور الممانعة ليس من اليوم، إنما منذ 46 عاماً أي منذ تاريخ الدخول العسكري السوري إلى لبنان. 15 سنة من الاحتلال، 15 سنة من الوصاية المباشرة، و12 سنة من الوصاية البديلة”.

وتابع: “”حزب الله” أخد المنطقة نحو المزيد من الحروب العبثية والفقر والتعتير، كما أخذها أكثر وأكثر شرقاً. وفي نظرة سريعة على إيران والعراق وسوريا واليمن نأخذ فكرة كافية ووافية عن معنى التوجه شرقاً.

فمنذ البداية ونقول إن معركتنا ليست بوجه أي طائفة أو بلدة أو عشيرة، معركتنا ديموقراطية ومشروعة وأخلاقية مع كل الطوائف والبلدات والعشائر، مع كل الأحرار والمراهنين على الخلاص في وجه الاستقواء والتهويل والابتزاز والفوضى والفقر والحرمان، وكل من يريد جعل أهل بعلبك الهرمل رهينة للـ”تمنين” بأبسط حقوقهم اي الأمان والتطور، في الوقت الذي يكرّسها ممراً للتهريب عبر الحدود وبالاتجاهين، فيما أهل المنطقة يشاهدون ثرواتهم “عم بتروح وتجي لخزاين خاصة” وليس لخزينة الدولة المكسورة أو “عم تدخل لجيوب مافيات ما بتشبع” وليس لأطفال تتضوّر جوعاً”.

وأكد أن “القوات اللبنانية” لا تهوى الصراع أو النزاع أو السجال أو الجدال، لأننا مقاومون للظلم والتبعية، انطلاقاً من ذلك، نمد يدنا إلى كل أهالي بعلبك – الهرمل مع حرصنا الشديد على العيش المشترك باعتبار أننا جميعاً في مركب واحد وأبناء جوع واحد ومعاناة واحدة”.

وعزا جعجع سبب الكارثة إلى “السلطة الفاسدة والمرتهنة التي لا توفر أحداً، فجلّ ما نريده هو حقنا بالعيش الحر الكريم دون منة من أحد لأن أبناء بعلبك – الهرمل يدركون واجباتهم ويقومون بها”. وشدد جعجع على أننا “نشهد اليوم محاولات لاستكمال تدمير وتقويض المؤسسات التي لا يمكنهم “يحطوا إيدن عليا”، فنحن بالمرصاد أمام كل هذه المحاولات ونؤكد الآتي: الجيش اللبناني خط أحمر، القضاء المستقل آخر موئل للحق وللحقيقة، حق الشهداء والضحايا والمنكوبين بتفجير المرفأ ليس “دكانة” لتركيب الملفات والحدادة والتلحيم، إصلاح جذري ومحاسبة جدية للخلاص من سلطة فاسدة أذلّت العملة الوطنية والمودعين ونهبت الخزينة وحرمتنا من الكهرباء والضوء لتعيدنا إلى الظلمة والظلم”.

وإذ اعتبر أن “الانتخابات النيابية ستجري في موعدها المحدد، وستكون حرة وشريفة وأمينة لا يشوبها صفقات ذليلة ومقايضة مهينة، على أساس إنقاذ الحلفاء الفاسدين بأصوات غيرهم”، لفت إلى أنه “إذا باتت حقوق المسيحيين تكمن في “شحادة الأصوات واستجداء المقاعد”، فهذا يعني غش بالتمثيل وضياع بالحقوق والهوية”.

وفي غضون ذلك كانت العلامة الفارقة في ردود الفعل على الادعاء على جعجع عبر البيان الذي أصدرته هيئة الرئاسة في “تيار المستقبل” وقالت فيه: “من المحزن والمؤسف ما وصل إليه الشعب اللبناني من مآس وويلات نتيجة ممارسات العهد، والمفجع أن تتكرر أمام اللبنانيين يومياً مشهدية الانهيار والتحلل السياسي والاقتصادي التي تعانيها البلاد، وأن يصل التحلل من كل القيم إلى حدود استخدام بعض الأذرع القضائية في انتهاك مفاهيم العدالة والمشاركة في حروب الاستنزاف المالي والمعيشي والإداري وتعريض السلم الأهلي والحريات العامة لأبشع التجارب. لقد سجلت الأيام والساعات الماضية مجموعة من السقطات التي تقع في خانة توظيف بعض القضاة في تصفية الحسابات السياسية وغير السياسية، الأمر الذي ينذر بجعل لبنان ساحة مفتوحة على الانتقام العبثي والكيل بمكاييل العدالة الانتقائية التي تجرّم من تشاء وتغفر لمن تشاء”.

واضاف البيان: “إن هيئة الرئاسة في “تيار المستقبل” إذ تستغرب وتدين هذا النهج التخريبي الذي يتخذ من القضاء آداة لتدمير ما تبقى من مقومات النظام العام وهوية لبنان الاقتصادية وهي الأخطر على حياة اللبنانيين، تتوقف بشكل خاص عند ادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية على رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في أحداث الطيونة، وترى فيه خطوة تسيء إلى القضاء اللبناني كسلطة تعنى بحماية مقتضيات السلم الأهلي لا بإثارة النعرات الطائفية. إن الهيئة تحذر من الإمعان في هذه السياسات العشوائية من منطلق دفاعها عن الحق والعدالة وبعيداً عن أية خلفيات تتعلق بالاستحقاق الانتخابي الذي أعلنا بوضوح تعليق مشاركتنا فيه، وعلى رغم الخلافات المعلنة والمعروفة مع حزب “القوات” ورئيسه، وهي تتساءل مع كثير من اللبنانيين، كيف يمكن للقضاء أن يكون عادلاً ونزيهاً ومتجرداً، عندما يلجأ إلى اتخاذ إجراءات استنسابية انتقامية لمصلحة فريق سياسي، وغض النظر عن جرائم مالية وسياسية وأمنية، ولا يحرك ساكناً تجاه أحكام مبرمة صدرت عن أعلى السلطات القضائية في العالم بحق مجرمين شاركوا بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقضايا مشابهة. هناك من يريد القضاء مزرعة حزبية تعمل غب الطلب، وعلى مجلس القضاء الأعلى أن يحسم الأمر وأن يقول الأمر لي، وليس لقضاة الحزب الحاكم والغرف القضائية المكلفة إعداد الأحكام المسبقة”.

أما على الجبهة القضائية الأخرى المتصلة بإجراءات القاضية غادة عون فهي بادرت أمس كما أفادت مصادر قضائية إلى تقديم شكوى مباشرة اتّخذت فيها صفة الادّعاء الشخصي ضدّ الإعلامي مارسيل غانم ومحطة “أم تي في” بجرم القدح والذم والتحقير خلال برنامجه “صار الوقت”. وشملت الشكوى المحامي مارك حبقة.

وكان المشهد السياسي والمصرفي والإعلامي ضج بمواقف سلبية من عون ومن بين المواقف النيابية برز تصريح للنائب طوني فرنجيه، اعتبر فيه أن “المدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون تضرب من جديد، ليتها تخبرنا عن نتائج تحقيقاتها الماضية. فهل تجرؤ على اتهام بعض المحسوبين على بعض القوى السياسية؟ أو أن اختصاصها فئات معينة وضرب الحريات وإقامة الدعاوى العقيمة ومن بينها التي أدت إلى موت مكتف وتحويل الدولة إلى دولة بوليسية. لست أنت المشكل بل من يقف خلفك”.

وعلى الصعيد المصرفي، أصدرت جمعية مصارف لبنان بياناً رداً على قرار منع ستة مصارف من تحويل أموال إلى الخارج، جاء فيه: “بعد سلسلة القرارات التعسفية التي اتّخذتها بحقّ المصارف خارج صلاحياتها ودون استنادها إلى أي قاعدة قانونية، أصدرت النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان قراراً جديداً تضمّن إشارة إلى الجمارك بمنع ستة مصارف تشكل 60% من حجم القطاع من تحويل أموال (وهي تعني شحن الأوراق النقدية بالعملة الأجنبية) إلى الخارج. وربما تظنّ صاحبة القرار أن الأوراق النقدية التي تشحنها المصارف إلى الخارج تذهب إلى جيوب رئيس و/أو أعضاء مجلس الإدارة، وأنهم يهرّبونها من أمام المودعين، وأن المصارف لا تمسك محاسبة، ولا تخضع للتدقيق ولا للجنة الرقابة…؟ إن هذه الأوراق النقدية التي تحوّلها المصارف تغذّي حساباتها في الخارج، ممّا يسمح لها بتنفيذ التزاماتها، خصوصاً تلك الناتجة عن فتح الاعتمادات للاستيراد. فعندما يفتح التاجر اعتماداً لدى المصرف، يلتزم المصرف بدوره تجاه المصرف المراسل أن يدفع الاعتماد الذي يُخصَّص لتسديد ثمن البضاعة المستوردة. وعندما يستحق تسديد الاعتماد، يسلّم التاجر اللبناني الأوراق النقدية إلى المصرف تسديداً لدينه، فيشحنها المصرف بدوره إلى الخارج لتغذية حساباته وتأمين تسديد التزاماته، لا سيّما تلك الناتجة عن هذه الاعتمادات. وهذا ما يُطبّق أيضاً وفقاً لنفس النظام على التحويلات التجارية وغير التجارية ومنها الدولار الطلابي. وببساطة، إن منع المصارف من تحويل الأوراق النقدية يحرم المصارف الستة من تغذية حساباتها لدى المصارف المراسلة كما يحرمها من تنفيذ التزاماتها لديها، ممّا يؤدي إلى إقفال حسابات المصارف اللبنانية المعنية ومنع الاستيراد، ويحرم الزبائن من تحقيق اغراضهم التجارية والشخصية الحياتية. فهل يخدم هكذا قرار المودعين؟ وهل يخدم الاقتصاد؟ وهل يؤمن استمرار تدفق الأغذية والأدوية وغيرها من المواد الأساسية إلى المقيمين في لبنان؟ وهل يؤمّن وصول التحويلات إلى المرسل اليهم، لا سيّما الطلاب؟ أما آن الاوان لوضع حدّ لقرارات تنمّ عن قلة خبرة في النشاط المصرفي ودوره في الاقتصاد الوطني، وتجاهل كامل للقانون، وتضرّ أول ما تضرّ بالمودعين الذين لن يحصلوا على حقوقهم إذا انهارت المصارف وانهار البلد؟ إن المصارف تطلق الصرخة قبل فوات الأوان، فبعدها لن يفيد الندم”.

المصدر: النهار

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك