الخطيب: نأمل من الحكومة والمجلس النيابي تأمين مقومات العيش الكريم واجراء الانتخابات في مواعيدها وعدم الانجرار للتضليل بتحميل المقاومة مسؤولية الانهيار

1 مدة القراءة

أدى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة، في مقر المجلس، والقى خطبة الجمعة التي قال فيها:

“تصادف في شهر رجب المعظم مناسبات عديدة تزيد عظمته عظمة وكرامته كرامة، وهي مناسبات على مستوى من الاهمية والقداسة ما يدعو الى التعرض لها واستلهام الدروس منها لانها تمثل مدرسة في الحياة بذاتها ولما فيها من توجيه وتربية وعبر تختصر لك الكثير من التجارب وتعطيك عصارتها في نفس الوقت الذي تحيي فيك الامل وتقوي من العزيمة في مواجهة الصعوبات التي تنتظرك في مستقبل الايام، وتعدك لتجاوز همومها وآلامها فانت معها لست تواجهها وحيدا، وانما تمتلك من الثقافة والزاد والسند ما يملأ نفسك بالثقة ما يعطيك من الشجاعة وبأس القوة والمراس والصبر ما تزيل بها جبال المصاعب وتتجاوز معها كل المصائب والالام والمتاعب المتلازمة عادة  مع  الحياة الجدية الهادفة”.

اضاف: “ان انجاز المهمات الكبيرة لا تأتي بسهولة ويسر وانما تستدعي اكتساب المعرفة والادوات اللازمة التي تتطلبها المهمة التي يسعى المرء لانجازها في الحياة، ولذلك كان التركيز على احياء المناسبات  الدينية هاما واساسيا خصوصا اذا كانت ترتبط بالقادة والرموز الذين رعتهم السماء وعين الوحي وكلفتهم الارادة الالهية القيام بمهام الدعوة وتحقيق اهدافها السامية من الاصلاح والارشاد والتأسيس للحياة القائمة على العدالة واحقاق الحق ومواجهة الظلم والانحراف وهي اعظم المهام واخطرها على الاطلاق التي تتطلب من القائم على هذه المهمة مواصفات خاصة، بل عناية الهية خاصة بمن كلف القيام بها لان الغاية كلما كانت شاقة وكبيرة احتاجت الى رجال يمتازون بقدرات تتناسب معها، فكيف اذا كانت هذه المهمة غاية ابعد في الزمان والمكان ان يدركها الاشخاص العاديون ولو بلغوا الغاية من الموهبة والذكاء فان مهمة كمهمة الانبياء والاولياء كحمل رسالة السماء وتلقي الوحي الالهي وتبليغه للناس بما يتطلب من قدرة غير عادية على استيعاب مفاهيمها وعمق مراميها، الامر الذي يستوجب كفاءة عالية واستعدادا بلا حدود للتضحية وقدرة على الاستيعاب لا تحد، ولذلك اختص الله تعالى بها افرادا معدودين اصطفاهم من بين الناس ودون الناس عرفوا الرسالة ولقنوها حرفا حرفا وكلمة كلمة وماتتطلبه مهمتهم من تضحيات واذى وصبر وتحمل، فكانوا لما حملوا امناء ولما يحتاجه حفظها وتبليغها وايصالها من معرفة وقدرة اكفاء واصفياء، اصطفاهم الله تعالى من بين خلقه قال تعالى مبينا هذه الحقيقة (ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) آل عمران:33-34”.

وتابع: “نحن اليوم اذ نحتفي بمولد امير المؤمنين وأبنائه الطاهرين الذين حملوا هذه الصفات وورثوا عنه وعن جدهم رسول الله علم الكتاب حيث قال صلى الله عليه وسلم: “أنا مدينة العلم وعلي بابها، وهل مدينة علم رسول الله سوى القرآن وما أوحى اليه ربه، وقد قال عن نفسه: القرآن كتاب الله الصامت وانا كتاب الله الناطق فاتركوا حكم الله الصامت وخذوا من كتابه الناطق. وعنه عليه السلام: هذا كتاب الله الصامت، وأنا المعبر عنه، ( فخذوا بكتاب الله الناطق، وذروا الحكم بكتاب الله الصامت، إذ لا معبر عنه غيري ). ولقد كان سلوكه يطابق قوله، فقد قيل في كلامه هو دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين، فكما كان القرآن معجزة رسول الله يتحدى الناس ان يأتوا بسورة من مثله كان كلام علي معجزته التي تحدى بها المخالفين والقاسطين والناكثين والمارقين، ومصداقا  لقول رسول الحق انه القرآن الناطق وانه مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي: أمرين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض”.

وقال: “علي رأس العترة، فلم يكن الاحتفاء بعلي والعترة من باب التمجد بالماضي التليد والاحتفاء بعظيم مر في تاريخنا ثم مضى وانقضى وانما لانه ما زال حاضرا فينا كحضوره في الماضين وحجة لله علينا كما على الماضين، لم ينته ماضيا ولم ينقض حجة ونحن ننتمي اليه انتماء الحاضر بالحاضر والمستقبل بالمستقبل، فولايته باقية وعنها نحن مسؤولون محاسبون مثابون او معاقبون ليس في الصلاة والصيام وسائر العبادات وانما عن كل ما يتعلق بحياتنا ونتميز به كما هو، انما ان ما يتميز به الدين والاسلام بالاخص هو ان قواعد الحق وموازينه ثابتة لا تتغير بتغير الزمان ورجالاته، وانما هي ثابتة بثبات القيم التي تستند اليها مهما تغيرت الاحوال وتقلبت فالحق هو الحق والباطل هو الباطل فليس الحق امر نسبي ولا استنسابي وليست القوة المادية ميزانا للحق، بل الحق ميزان للقوة في مفهوم علي ( القوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه والضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له )، وهكذا كان الصراع يدور حول هذه النقطة بين عالمين عالم القوة المادية وبين عالم القوة المعنوية بين ثبات الموازين وبين نسبيتها التي ترجع في حقيقتها الى تغليب الشهوات والسير خلف الغرائز والاطماع وان للحياة موازينها الخاصة التي ترتبط بحب البقاء فتجعل منها ساحة للصراع والغلبة مقطوعة الاهداف النبيلة التي لا وجود للنبل فيها وبين عالم آخر موصول بعالم القيم التي تستمد الاشياء والحياة قيمتها المعنوية منها، عالم القيم هذه يتمثل بخالق الكون والحياة ويدعو الى تمثل قيمه فيها، فالحياة للاقوى لها معنى آخر اي للقيم المعنوية التي يجب استخدام ما في هذا الكون من قدرات ونعم مادية على اساسها وموازينها على قاعدة ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) المائدة:2”.

وتابع: “وبهذا تتحول الحياة الى ساحة تعاون على البر والتقوى وان الناس كلهم عيال الله واحبهم اليه انفعهم لعياله  التي تنعكس في المفهوم الآخر الى الصراع على النفوذ وامتلاك وسائل القوة المادية واعتبار الآخر وسيلة للصعود فليس للمعروف معنى في قاموسهم، وانما هي ادوات للاستخدام لبلوغ اهدافهم الخاصة من العلو والعتو، واذا كان المؤمنون يتعاونون على البر والتقوى ومواجهة الباطل والعدوان واحقاق الحق وابطال الباطل تقربا لله واطاعة له وليس لهوى في النفس وحبا في ما اطلق عليه الامام علي بالحطام حين قال مبينا الهدف من مواقفه: “اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك. فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك. اللهم إني أول من أناب وسمع )”.

وأكد “أن اول ما يحتاج اليه المرء ليعرف أين يضع قدمه وفي اي اتجاه يسلك، ان يعرف نفسه وان يتعرف على سر حقيقة وجوده، وما هي علاقته بالكون والحياة حتى يستطيع ان يضع قدمه على ارض ثابتة وينطلق من ارض صلبة كما قال تعالى (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها ) ابراهيم 24-25. والا زلت قدمه وكان كما قال تعالى (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار ) ابراهيم 26”.

وقال: “ان الموازين التي تحكم الصراع الدولي بين القوى الجبارة اليوم هي موازين الباطل وهي التي تتحكم في التكتلات الدولية وتخضع القوى الضعيفة لها التي باتت بشكل او بآخر تتبع نهجها المتخلف في الثقافة والتي باتت تفقد استقلاليتها من هذه الزاوية، وخصوصا الدول الاسلامية التي ودعت وجهتها الحضارية وافتقدت مشروعها الرباني الذي حدده الله لها بقوله تعالى (كنتم خير امة اخرجت للناس )، معللا ذلك بقوله ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) وتنظر بعين الحضارة المادية الغربية الى الحياة بمنظارها  فوجدت نفسها امة ضعيفة خاسئة فخضعت لاملاءات الحضارة المادية واصبحت العوبة بيدها تخوض صراعاتها وتعطي يد الذلة صاغرة امام عربدتها وغرورها، وهي غافلة عن ان ما تمتلكه من القدرات اكبر بكثير مما يمتلكه اعداؤها  لو احسنت استخدامها وان ما تدفعه من خسائر مادية ومعنوية في هذا الطريق الذي تسلكه اقل بكثير مما كانت ستدفعه لو انها تمسكت بالمعادلات الالهية متمسكة بمشروعها الرباني ولكانت قدمت لنفسها وللبشرية اعظم خدمة في فرض معادلة القيم الالهية ولكنها تخلت فخسرت مشروعها ونفسها وكانت شريكة في المظالم التي ترتكب اليوم في كل ما يجري من صراعات ومظالم وتخلف انساني”.

وأكد ان “الغاية من المشروع الالهي هو اخراج الناس من الظلمات الى النور، وما يجري اليوم من صراع سياسي بين اللبنانيين والاساليب التي يجري استخدامها من بعض الاطراف في هذا الصراع ما هو الا نموذجا  لهذا السقوط والانحراف في أحط نماذجه، واكثر حتى مما يطلبه ربيبها منها من التزوير والكذب والتلاعب بالمفاهيم والاتهامات الباطلة والايقاع بخصمها السياسي الذي يعتبرونه ذكاء وسياسة بحيث يستبيحون لانفسهم كل المحرمات للوصول ليس الى ما يخدم اهدافا وطنية وانما لتقديم أنفسهم لاسيادهم الدوليين وبأقذر صورة، لانهم افتقدوا الحس الوطني والقيم الاخلاقية ارضاء لاسيادهم وطمعا في ما يحلمون به من فتات لم يتعلموا من تجارب الماضي والآخرين في الامس البعيد والقريب كيف تخلى هؤلاء الاسياد عن عملائهم وكيف تركوا طعمة لغرمائهم حين اصبحت مصلحة اسيادهم تقتضي ذلك، ولعله ليس في التاريخ البشري اسوأ من هذا النموذج الذي قدمه هؤلاء على كثرة النماذج والامثلة مع انهم عاينوا عن كثب ان كل ما حلموا بأنه كائن لا محالة قد ذهب ادراج الرياح ومع كل خيباتهم الماضية وتجاربهم الفاشلة فهم في كل مرة يعيدون التجربة ويحصدون الهزيمة”.

وقال: “لقد استعانوا بالعدو الاسرائيلي في اكثر من مرة وبحلفائه واذاقهم الذل والهوان بايقاع الفتنة بين اتباعه، ولم يتعلموا وراهنوا على تغييب الامام السيد موسى الصدر وخسئوا ان ينهوا مشروعه الوطني وبناء المقاومة للدفاع عن سيادة لبنان، ولكن المقاومة اشتد عودها اكثر وكان الوعي الشعبي الذي ازداد قناعة بجدوى المقاومة مما زاد في احتضانه لها وهزم العدو في منازلته لها في اكثر من موقع، وانكم اليوم اذ تراهنون على الحصار والتضييق على بيئة المقاومة لتحصدوا تخلي الناس عنها والحصول على الاغلبية النيابية والتفكيك بين قوى المقاومة كوعد ابليس نفسه بالجنة، ونحن نراهن على وعي اللبنانيين الذين رأوا ماذا حل ببلدهم نتيجة سياسات هؤلاء ومتاجرتهم بجوع الناس ودمائهم، فأين هي الحقيقة التي ادعوا انهم يدافعون عنها، واين هم عوائل ضحايا المرفأ واين الحقيقة فقد باعوها في سوق النخاسة حين ارادوا المتاجرة بها لاهدافهم السياسية ولو على حساب الحقيقة التي لو ارادوها لأتوها من ابوابها، ولكن ذلك لا ينفعهم ولا يهمهم منها سوى الاستغلال الرخيص بمغامراتهم الفاشلة التي لن تكون نتيجتها سوى ضياع الحقيقة ودماء الضحايا وعوائلهم”.

اضاف: “نقول ومن باب الحرص على الوطن واهله المعذبين وضحايا هذا الصراع اللئيم اختصروا هذه المأساة التي هي من صنعكم وعودوا الى ضمائركم واخرجوا بلدكم من هذا الصراع الذي لن يفيد احدا حتى انتم ستكونون من ضحاياه، ولكنكم لن تفعلوا لأنكم اخضعتم انفسكم لموازين الصراع الدولية ولاوامر الاسياد التي تحسبون لها الف حساب ولا تحسبون لله ولا لشعبكم اي حساب، فتخطئون مرة اخرى الحساب، وان الله لبالمرصاد وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين، ولكننا مع ذلك نأمل من الحكومة والمجلس النيابي الحفاظ على الحد الادنى من تأمين مقومات العيش الكريم للمواطنين ومكافحة الاحتكار والفساد من خلال اقرار قانون الغاء الوكالات الحصرية وفتح الابواب امام المنافسة في الاسواق الذي سيؤدي حتما الى تخفيف الاسعار وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، والعمل الجاد لاجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها وتسهيل عملية الاقتراع على المواطنين بحيث يستطيع المواطن الادلاء بصوته في اماكن توجده خصوصا في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة بما يؤدي الى المشاركة الكثيفة في الاقتراع، ونحن ندعو اخواننا وابناءنا الى عدم الانجرار خلف الدعوات المشبوهة التي تستخدم التضليل في تحميل قوى المقاومة العسكرية والسياسية مسؤولية الانهيار الاقتصادي والتردي المعيشي، ونحذر من الخضوع للمال السياسي نتيجة الظروف الخانقة، وليعلم الجميع ان شراء وبيع الذمم عمل محرم يخدم القوى المتأمرة على لبنان وشعبه التي تتحمل مع مشغليها مسؤولية ما الت اليه امور البلاد”.

وختم: “مبارك عليكم ايها الاخوة المؤمنين ولادة امام الحق والهدى وابنائه الطاهرين ونهنئ امام  الزمان بهذا المولد المبارك ونقدم لهم ولكم في نفس الوقت التعازي بشهادة بطلة واسطورة كربلاء الحوراء زينب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.

 

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك