البنوك ونظام «سويفت» العالمي للتحويلات المالية

0 مدة القراءة

إعداد | المستشار د. عبد القادر ورسمه غالب* :

بعد غزو روسيا لأوكرانيا قبل أيام قليلة، وذلك لشيء في نفس الرئيس بوتين القيصر الروسي الجديد، ووسط الدهشة العالية المتواترة وكرد فعل معاكس بدأ العالم في تنفيذ اجراءات عقابية اقتصادية ضد روسيا المعتدية لاخلالها بالسلم والأمن العالمي والاعتداء على دولة أوربية ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة. والعقوبات الاقتصادية التي تم اتخاذها موجهة ضد أشخاص وأفراد معينين أولهم “بوتين” ومن معه من شركاء في هذا الغزو غير المبرر بعد أن تجاوزت أوربا مرحلة الحروبات التي عانت منها كثيرا وفقد الملايين من الأرواح وأكثرهم من روسيا نفسها. واضافة للعقوبات الشخصية، كذلك هناك عقوبات اقتصادية ضد روسيا كدولة معتدية طاغية ومهددة للأمن والسلام العالمي. والعقوبات الاقتصادية ضد روسيا تتم عبر عدة طرق ووسائل، ولكن ما يهمنا هنا منع ووقف روسيا من التعامل مع العالم عبر نظام “سويفت” العالمي للتحويلات المالية، وبهذا تخرج روسيا من منظومة التحاويل البنكية العالمية لأن هذه التحويلات تتم عبر هذا النظام العالمي الموحد. وللعلم، سبق أن فكر العالم في استخدام نظام “سويفت” كعقوبة ضد روسيا في 2014عندما غزت شبه جزيرة القرم، ولكن هذا الاجراء لم يتم في ذلك الوقت ويبدو أن الفكرة ظلت مختمرة حتي تم اللجوء اليها الآن، ونأمل أن تحقق الفائدة منها، ولو لجزء يسير.

نظام “سويفت” معروف لدى الجميع في العمل المصرفي اليومي حيث يتم استلام التحويلات المالية من كل دول العالم عبره وفي نفس الوقت تقوم البنوك بارسال التحويلات الخارجية الخاصة بزبائنها عبر هذا النظام الآمن والموثوق من الجميع وقليل التكاليف. وهذا النظام متبع منذ فترة وبصفة دائمة ويومية، ولكن طرأ اسم “سويفت” هذه الأيام وقفز للسماء وأصبح على كل لسان وموضوع حديث مشترك وتحليلات واستفهامات؟ وكل هذا بسبب لجوء دول العالم الى “سويفت” لمعاقبة روسيا والاقتصاص منها بسبب عدوانها على أوكرانيا. وهذا التصرف الغرض الريئسي منه احكام الضغط على الاقتصاد الروسي لاضعافه للدرجة التي ربما تجبره على وقف هذا العدوان والتراجع عنه. وفعليا، ومن واقع البيانات المتوفرة، تراجعت العملة الروسية بشكل ملحوظ وتوقفت معاملاتها وتبادلاتها التجارية مع أرجاء العالم وتأثر سعر الفائدة وأسعار الأسهم وتم قفل بورصة موسكو وتم منع الطيران الروسي من دخول أوربا وأمريكا والكثير سيأتي. وبكل قوة نستيطع القول الآن، بأن نظام “سويفت” أصبح سيفا قويا في يد العالم ضد المعتدي ونأمل أن تحسن هذه اليد استخدام السيف “لأن القوة ليست في السيف المهند البتار وانما في اليد التي تستخدم هذا السيف”. ونظام “سويفت” البنكي هو سيف العالم لرد هذه العدوان. فكيف نستخدمه بعد شهره؟

وللتوضيح، فان كلمة “سويفت” المستخدمة في كل العالم بنفس اللغة الانجليزية، هي اختصار لجملة “جمعية الاتصالات المالية العاليمة بين البنوك” وهي منظمة تقدم خدمة المراسلات والتحويلات الخاصة بالمدفوعات المالية وبتكلفة مالية مناسبة، وجميع البنوك تستخدم “سويفت” للحاجة الماسة له. ونشأت فكرة “سويفت” في نهاية الستينيات من القرن الماضي مع تطور التجارة العالمية وزيادتها، وتكونت منظمة “سويفت” في العام 1973 ومقرها الرئيس بلجيكا، وبدأ نشاطها الفعلي الكثيف حول العالم في حوالي عام 1977. وهذا النظام العالمي الموحد يملكه المئات من البنوك والمؤسسات المالية خاصة وأن الهدف من تكوينه منع احتكار هذه المعاملات المصرفية الهامة والحساسة في يد جهة معينة أو بلد واحد، ومن هذا التكاتف الدولي ووحدة الهدف يستمد نظام سويفت قوته وفعاليته اضافة لأهميته البالغة والمباشرة في العمل المصرفي والتجاري.

ويمكن تطبيق نظام “سويفت” لتبادل الرسائل في مختلف العمليات المصرفية، مثل مطابقة أوامر الزبائن بين الجهات العديدة المتداخلة بالعملية والتصديق عليها، كما يطبق في التحويلات النقدية الخاصة بالعمليات ونتائج التسوية، وأيضا في التصديق على تنفيذ عمليات التداول وتسويتها بين الأطراف المعنية، وبالطبع يمكن تطبيق نظام سويفت في كافة العمليات المتعلقة بالتغير في أرصدة الزبائن. ومن الناحية العملية، يعتبر “سويفت” بديلاً متطوراً لطريقة ال “تلكس” الذي كان مستخدما منذ مئات السنين بطرق تقليدية لا تتماشي مع سرعة المعاملات في هذا العصر، العصر الرقمي. ونظام سويقت يغطي جميع المراسلات المتعلقة بالتعاملات المالية والبنكية التي تتم بين البنوك والمؤسسات المالية، حيث يوفر هذا النظام الحماية والسرعة الكاملة المطلوبة لمثل هذه التعاملات ومتابعة تسليمها للجهات المعنية. وتستخدم البنوك نظام “سويفت” لإرسال رسائل موحدة حول عمليات تحويل المبالغ فيما بينها، وتحويلات المبالغ للزبائن، وأوامر الشراء والبيع للأصول، والعديد من المعاملات المصرفية اليومية التي يطلبها الزبائن.. وبسبب حظر ومنع روسيا من هذا النظام، فانها لن تتمكن من تقديم كل هذه الخدمات الهامة أو الاستفادة منها، وقطعا هذا الاجراء سيدخل “في العظم” ويضغط في مفاصل الاقتصاد الروسي وكافة عملياتها المصرفية، وهذا هو المأمول من رفع سيف نظام “سويفت” العالمي. (ويا للصدفة العجيبة، لأن مقر “الناتو” العسكري أيضا في بلجيكا).

ولكن هل هذا الاجراء العقابي بدون مخاوف تتعلق بمدى تأثيره الفعال؟ من دون شك، ان روسيا كانت ترتب لهذا العدوان منذ مدة طويلة لقناعتها بأن امنها الداخلي يحتاج لمنع تمدد حلف الناتو العسكري والذي بدأ يطوق روسيا من جميع الجهات وبما يشكل لها خطرا عسكريا كبيرا وأوكرانيا أصبحت في الواجهة برغبتها أو العكس لا ندري والتاريخ سيوضح. ومنذ غزو روسيا لشبه جزيرة القرم في 2014 وبداية المناداة في ذلك الوقت بحرمان روسيا من نظام “سويفت”، قررت روسيا حماية نفسها وأقامت نظام “سويفت” خاص بها ومعها بعض الدول القليلة العدد، وأهمية هذا النظام الروسي البديل، ويطلق عليه اسم “مير”، تكمن في امكانية خلق نظام أو أنظمة بديلة للقيام بدور نظام “سويفت” العالمي. وهذه نقطة قد تحسب من نقاط الضعف في نظام سويفت وذلك لامكانية وجود البديل المناسب. وكذلك، في نفس المنحى، نقول أن الصين أيضا لها نظام تحويلات خاص بها بعد أن شعرت بالتهديدات والسيطرة الأمريكية ودولار العم سام على النظام المالي العالمي والصين خاصة. ولنفس هذه الدوافع والمنطلقات أيضا، تم تأسيس منظومة ” دول البريكس” من عدة دول على رأسها روسيا والصين وانضمت لهم الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، وهناك عدة دول كبيرة انضمت للبريكس أو في طريق الانضمام. وكل هذه الخطوات المتتابعة، واكبرها تأسيس مجموعة “بريكس” الهدف منها العمل لايجاد بدائل للنظام العالمي المالي بصورة جديدة وأفكار جديدة. ومن المتوقع أن تستعين روسيا بدول البريكس في التعاون لكسر طوق الحظر، ولاحظنا أن الصين والهند كانت من الدول الممتنعة عن التصويت في قرار مجلس الأمن الذي قدمته أمريكا لادانة روسيا. وهذه ضربة البداية التي تشير الي امكانية عدم اتخاذ القرار الموحد على مستوى العالم في مثل هذه القرارات الخاصة بالعقوبات الاقتصادية ضد الدول.

أيضا، قد يكون هناك عقوبات عكسية عند استخدام نظام “سويفت” على روسيا. ونقصد بالعقوبات العكسية تضرر دول أخري وشركاتها من ايقاف التعامل مع روسيا خاصة وأن هناك العديد من الدول الأوربية التي تنظر لهذه العقوبة على مضض وبدون ارتياح تام لأن حد “سيف العقوبات” سيصلها بمجرد منع روسيا من نظام “سويفت” لأن تعاملاتها التجارية مع روسيا خاصة في مجالات استيراد الطاقة من الغاز والبترول ستتضرر كثيرا بل ستفقدها تماما عند توقف التعامل مع روسيا، والطاقة أمر حيوي لكل بلد ولكل حركة وليس من السهولة التنازل عنها أو العيش بدونها. وكذلك ستضرر الشركات الأوربية التي تقوم بتصدير الكثير من المواد والمنتجات لروسيا، والضرر يأتي من قفل هذا السوق الكبير، اضافة الى صعوبة حصول هذه الشركات على أموالها وديونها الموجودة من قبل في روسيا، وربما لا تحصل عليها اطلاقا كعقاب عكسي من روسيا.

هذه بعض “الهنات”، اذا جاز لنا القول، في طريق استخدام نظام سويفت الموحد في مواجهة روسيا. ولكن، كما ثبت فعليا، هناك آثار حالية تدل على أثر هذا الاجراء وبداية تأثر العمل المصرفي والتجاري الروسي وأنهيار الروبل، وربما تظهر آثار أخرى على المدى البعيد. وعلى الدول التي تقف خلف هذا الاجراء العقابي أن تجتهد في توسيع الدائرة وتضييق الخطوات لزيادة الضربات على الاقتصاد الروسي مما يقود الى اضعافها وعدم التفكير في المستقبل المنظور في الاعتداء على الآخرين ومهما كان حجمهم. ومن دون شك فان الحروب الاقتصادية لا تقل عن الحروب العسكرية وتقود الى انهيار الدول، ولو بعد حين. ولكن، بكل أسف، هذه الضربات والعقوبات الاقتصادية تؤثر مباشرة على الشعوب التى ستعاني مباشرة في معيشتها وحياتها اليومية وسيتحمل كل بيت هذه الضربات التي لا ناقة له فيها ولا بعير.. ولذا، لزم الموازنة والحكمة.

* بروفيسور القانون الجامعة الامريكية | المؤسس والمدير التنفيذي ع | د. عبد القادر ورسمه للاستشارات ذ.م.م البحرين \ دبي

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك