اغتيال رفيق الحريري.. في كل ذكرى «عِبرة» سياسية

1 مدة القراءة

على مدى 16 عاماً، كان الاحتفالُ بذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري مناسبةً للتعبير عن عنوانِ المرحلة السياسية. ورغم أن العِبرة الحقيقية لِما حصل العام 2005 تركزت تصاعدياً ابتداء من 14 مارس من ذاك العام، وما تلاها مِن انقسام سياسي بين قوى 14 و8 مارس، إلا ان خطاب الرئيس سعد الحريري وكلمات قادة الاحزاب المُعارِضة من حلفاء «ثورة الأرز»، والاحتفالية التي لطالما رافقت ذكرى 14 فبراير، كانت تعكس الحال السياسية المحلية والى حد ما الاقليمية.

ومع حلول الذكرى 17 لاغتيال الحريري، تبقى المناسبة أيضاً انعكاساً للحال السياسية التي طغى عليها في الأسابيع الأخيرة تعليق الرئيس سعد الحريري عمله السياسي وانكفائه عن الساحة الانتخابية.

على مدى 16 عاماً كانت 14 فبراير، مناسبة أبعد من استذكار الرئيس الراحل ورفاقه وشهداء «ثورة الارز»، لتصبح مشهدية تعبّر عن كل الأحداث السياسية، من حضور الشخصيات في الصف الأول ومن كافة القوى السياسية المعارضة، إلى الكلمات التي تلقى وصولاً إلى الحشد ومكان الاحتفال.

بين 2005 و2009، أي في عزّ صعود قوى 14 مارس، ظلت الذكرى هي المناسبة الأهمّ في تاريخ الحركة الاستقلالية، كونها عكست استمرارية الخطاب السياسي الحاد الذي كرّس الانقسام اللبناني على خلفية زلزال 14 فبراير وما تبعه من عمليات اغتيال لشخصيات في قوى 14 مارس.

في عام 2006، خطب الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، في كلمات عالية السقف عن الحقيقة والعدالة وعن عدم الخوف من الغرف السوداء. وعلى مدى السنوات الثلاث اللاحقة، ظل الثلاثة يخطبون بكلمات حادة اللهجة، وتميّزت بالهجوم الواضح على سورية ولا سيما من جانب جنبلاط، وعلى حزب الله في صورة غير مباشرة.

كانت ساحة الشهداء تعكس استمرار العصَب الشعبي في التوافد من مناطق بعيدة الى بيروت لإطلاق صرخة الاعتراض على الحال السياسية، على لسان عشرات الآلاف من محازبين ومناصرين.

عام 2008 كانت المحكمة الدولية على قاب قوسين، وكان اغتيال المسؤول في حزب الله عماد مغنية وتشييعه في اليوم نفسه للذكرى. جاء خطاب الحريري حاداً حين قال إن لبنان في مواجهةٍ مكشوفةٍ مع مشروعِ سورية و«حزب الله» وأدواته المحلية لوضع اليد على لبنان. وأضاف: «اذا كان قدرنا المواجهة فنحن لها، والمسؤولية الوطنية بل الواجب الوطني يفرضان علينا مواجهة هذا المخطط الأسود، وهذا ما سنقوم به من دون تردّد».

سجلت السنوات الثلاث بين 2005 و 2008 خطباً سياسية عالية اللهجة كرست مشروع قوى 14 مارس. لكن العام 2009 حمل متغيّرات سياسية كثيرة. كانت الانتخابات على الأبواب وكان شبح 7 مايو (العملية العسكرية لـ «حزب الله» في بيروت وبعض الجبل) لا يزال ماثلاً وبعده اتفاق الدوحة. أعلن خطباء 14 مارس، في الذكرى الرابعة للاغتيال، من الحريري الى جنبلاط والجميل وجعجع، الانتصارَ بقيام المحكمة الدولية وتمكّنوا من حشد آلاف المناصرين ودعا الحريري الى مشاركة كثيفة في الانتخابات لقيام دولة حرة ومستقلة.

فازت قوى 14 مارس بالانتخابات، لكن عام 2009 حمل أيضاً متغيراتٍ إقليميةً ومحليةً بارزة، تمثّلت بزيارة الرئيس سعد الحريري لدمشق في نهاية العام. ولذا جاء خطاب 14 فبراير عام 2010 على وقع مشهدية مختلفة في ظل «السين السين»، أي المسعى السعودي – السوري لاجتراح «تسوية» بملاقاة القرار الاتهامي الذي كان منتظَراً في جريمة اغتيال الحريري الأب والحدّ من تداعياته.

وحاول الحريري التقاطَ نبْضِ الشارع الذي كان مُمْتَعِضاً من زيارته دمشق ولقائه الرئيس بشار الأسد، وسعى إلى تدوير الزوايا من خلال كلمة أكد فيها «أن لا مقايضة على حساب المحكمة الدولية أو الطائف أو المناصفة بين المسيحيين والمسلمين»، مكرراً شعار «لبنان أولاً» الذي كان رفعه في 2009، وعاود التذكير بشعارات «حرية وسيادة واستقلال» التي كانت عنوان مرحلة عام 2005.

وبعد عشر سنوات على الجريمة تغيّرت أمور كثيرة في بيروت، كما تبدّلتْ علاقات الحلفاء الذين اجتمعوا في البريستول ومن ثم في قريطم غداة اغتيال الحريري، والتقوا مرات عدة في ساحات العاصمة.

في بداية 2011 سُجل انقلابٌ على حكومة الحريري التي أسقطتها قوى 8 مارس بـ «الثلث المعطّل» أثناء وجوده في واشنطن، فجاء احتفال 14 فبراير صاخباً. تحدّث الحريري عن سلاح حزب الله كمسألة خلافية، وشرح ما حصل مع:السين سين«: وقال:»أنهوا السين سين لأنهم لا يريدون المصالحة الشاملة«، معلناً تمسكه بالمحكمة الدولية وبانتقاله الى صفوف المعارضة موجّهاً كلامه إلى مَن»اعتقدوا انهم تمكّنوا مني بالغدر والكذب والخيانة وانعدام الوفاء”.

عام 2012 كانت إطلالالة الحريري عبر شاشة متلفزة، فيما كان نجم الحضور الوضع في سورية ومشاركة «حزب الله» بالحرب فيها، إضافة الى رئيس حزب القوات سمير جعجع والرئيس أمين الجميل، ومنسق الامانة العامة لقوى 14 مارس فارس سعيد، حين كان الحلفاء لا يزالون تحت سقف التحالف الذي جمعهم منذ 2005.

ومع ابتعاد الحريري عن لبنان منذ إسقاط حكومته، كثرت الخلافات الداخلية بين قوى 14 مارس. ومع تَقَدُّم الحوارات الداخلية لاحقاً بينه وبين الرئيس نبيه بري وحزب الله تحت عنوان «ربْط النزاع» وتفادي الفتنة لعودته، ازدادت الخلافات بين مكوّنات 14 مارس.

ومع الفراغ الرئاسي ابتداءً من 2014 والتخبط الداخلي، بدأت محاولات التفتيش عن حلول للأزمة الرئاسية. حاول الحريري القيام بتسوية مع رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، فردّ جعجع والعماد ميشال عون بفتح قنوات اتصالٍ أسفرت عن تفاهم معراب في يناير عام 2016، ومعاودة إنتاج تسوية رئاسية بين عون والحريري، دخل معها الأول قصر بعبدا في 31 اكتوبر وعاد الثاني إلى رئاسة الحكومة.

وقبل هذه التسوية، وفي 14 فبراير 2016، كان احتفالاً جامعاً بالصورة، لكن الحريري وجّه عتبه الى حلفائه ومنهم جعجع، على خلفية التفاهم مع عون، موضحاً خلفيات إصرار المستقبل على إنهاء الفراغ. وكرّس هذا الاحتفال الخلاف بين الحريري وجعجع، وأيضاً مع مكونات أخرى كانت ضدّ تسوية انتخاب عون رئيساً.

وفي فبراير 2017 وبعد أشهر قليلة على التسوية الرئاسية كان الكلام عن التسويات والمصالحات ومشاريع الاعمار. وشكّلت ذكرى الحريري في جانب منها منصة تحضير للانتخابات النيابية التي دعا زعيم «المستقبل» مناصريه للاستعداد لها تحت سقف أي قانون يقره البرلمان. لكن في نوفمبر 2017 قدم الحريري استقالته من السعودية، فكانت تبعات الاستقالة والعودة عنها متمثّلة في أول خطاب في الذكرى 13 لاغتيال والده.

ففي 14 فبراير 2018، كانت محطة تكريس الخلاف مع القوات اللبنانية والحلفاء والاستعداد للانتخابات بخطاب انطوى على توجيه الانتقادات المبطنة، لكنه أعلن في الوقت نفسه «التزام الحوار والطائف وحماية لبنان من امتدادات الحروب في المنطقة ورفض التدخل في الشؤون العربية واعتبار الأحكام عن المحكمة الدولية ملزمة للسلطات اللبناينة بملاحقة المتهَّمين (من حزب الله) وتوقيفهم، وحصرية السلاح في يد الدولة». كان الاحتفال أشبه بحشد المناصرين للانتخابات النيابية، في ظل قانون المختلط بين النسبي والأكثري.

وفي 2019 أعطى الحريري لذكرى 14 فبراير عنوان «سنة العدالة» المنتظَرة لمعرفة الحقيقة في شأن اغتيال والده، مؤكداً «لا نرى ولا نقبل أن نرى الحُكْم طريقاً للانتقام وردات الفعل. فالحُكْم هو طريق للعدالة ورفض التغطية على الحقيقة مهما كانت قاسية»، مع التشديد على «أن لبنان ليس دولة تابعة لأي محور. وليس ساحة لسباق التسلح في المنطقة، بل هو دولة عربية مستقلة، لها دستور وقوانين ومؤسسات والتزامات عربية دولية، دولة أكدت على التزام النأي بالنفس. وأي أمر آخر يكون وجهة نظر لا تُلزم الدولة ولا اللبنانيين».

على مدى سنوات انتقلتْ الاحتفالاتُ من «ساحة الشهداء» ومن ثم الى «البيال» فـ «بيت الوسط»، كما جرى في 2020، كردٍّ على القول بانتهاء الحريرية السياسية. وقد هاجم الحريري، الذي كان قدم استقالته على وهج تظاهرات 17 اكتوبر 2019، جميع منافسيه الذين وقفوا في وجه الاصلاحات، واتهم رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل (صهر عون) بأنه رئيس الظل.

في 14 فبراير 2021 ألغي الاحتفال المركزي (نتيجة جائحة «كورونا»)، واكتفى الحريري بكلمة متلفزة كرّست خلافه مع عون وباسيل، متوجّهاً اليهما بتحميلهم مسؤولية إفشال كل محاولات الاصلاح. وكان زعيم «المستقبل» تحت وطأة عرقلة باسيل لعودته الى السرايا، فاستعاد عناوين مشروع الرئيس رفيق الحريري الإصلاحي والإعماري معاوداً التذكير بأن الحريرية السياسية هي التي أوقفت الحرب.

وفي 14 فبراير 2022 إنها المناسبة الأولى للحريري الابن بعد 17 عاماً من توليه العمل السياسي وتعليقه. وستكون المناسبة مرة أخرى عنواناً جديداً لمرحلة سياسية، بعدما طَبَعَتْ المناسباتُ الماضية الحياةَ السياسية بمحطات لا تنسى، من معارضة حزب الله الى التسوية معه، من انفراط عقد 14 مارس الى زيارة سورية، وصولاً الى تسويات داخلية وانفراطها مجدداً، فيما تزداد أوضاع لبنان سوءاً ذكرى بعد ذكرى.

المصدر: الراي الكويتية

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك