إطلاق «مدونة السلوك واخلاقيات الوظيفة العامة» من مجلس الخدمة المدنية

1 مدة القراءة

أطلق اليوم في مبنى مجلس الخدمة المدنية  عملية اعداد” مدونة السلوك واخلاقيات الوظيفة العامة” في حضور وزيرة الدولة لشؤون التنمية الادارية نجلا رياشي ، رئيسة مجلس الخدمة المدنية نسرين مشموشي، الممثل المقيم لبرنامج الامم المتحدة الانمائي محمد صالح، ممثل المكتب الاقليمي لبرنامج الامم المتحدة الانمائي أركان سبليني، رئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران، المدير العام لرئاسة الجمهورية الدكتور انطوان شقير، الامين العام لمجلس الوزراء محمود مكية، رئيس ادارة المعهد الوطني للادارة الدكتور جورج لبكي، المديرالعام لوزارة الاعلام الدكتور حسان فلحه، الامين العام لوزارة الخارجية هاني شميطلي، المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان المهندس كمال حايك، المدير العام لتعاونية موظفي الدولة يحيى خميس، المستشار القانوني في قضايا مكافحة الفساد والحوكمة نزار البركوتي، رئيسة الهيئة العليا للتأديب القاضية ريتا غنطوس، رئيسة ادارة الابحاث والتوجيه نتالي يارد، رئيسة إدارة الموظفين جاكلين بطرس، ممثل وزارة العدل القاضي محمود سيف الدين والمستشار التقني في الحوكمة هنريك ليندروث.

مشموشي
بداية، تحدثت رئيسة مجلس الخدمة المدنية نسرين مشموشي، ورحبت في مستهل كلمتها بالحاضرين، معربة عن سعادتها لتلبية الدعوة للمشاركة في هذا اللقاء “الهادف إلى إطلاق ورشة إعداد مدونة السلوك والأخلاقيات الوظيفية، والتي نعول عليها كثيرا في المجلس، باعتبارها الإطار الأمثل لتطوير الأداء وتحقيق الجودة في العمل ضمن منظومة تشريعية تعكس رؤية الدولة في مكافحة الفساد وتفعيل المحاسبة وتفعيل الانتاجية في بيئة عمل سليمة وبعد اقرار الاسراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد في مجلس الوزراء، وبالتالي لإعادة تفعيل عمل إدارات الدولة ومؤسساتها والنهوض بها، بخاصة بعد أن ساهم تفشي جائحة كورونا والضائقة المعيشية والاقتصادية والاجتماعية في قتل الدافع المعنوي لدى الموظف العام، كما وفي الحد من اندفاعه وتفانيه، وتقويض قدراته المادية التي حالت دون تمكنه من التزام واجب الحضور إلى مركز العمل وفق ما يقتضيه القانون، وبالطبع حالت دون قيامه بأعباء الوظيفة، وتنفيذ الواجبات الملقاة على عاتقه وتلبية حاجات المواطنين على أكمل وجه”.

أضافت مشموشي :” ليس بخاف عليكم حراجة المأزق الذي وصل لبنان إليه، نتيجة تداخل العديد من العوامل الخارجية والداخلية، والتي تسببت مجتمعة في أزمات خانقة أثقلت بعبئها مختلف الإدارات العامة والاجهزة الحكومية، كما أنهكت المواطنين كافة وإن بدرجات مختلفة، فالمرافق العامة والقطاعات الرسمية بمختلف مكوناتها وطبيعتها القانونية باتت عاجزة عن توفير ما يلزم من متطلبات أساسية يومية لتسيير العمل بحده الادنى، الأمر الذي ينذر بانهيار مؤسسي واقتصادي واجتماعي شامل إن لم يصر إلى اتخاذ مبادرات جريئة واستثنائية.

أسباب الانهيار معروفة، وتحديد معالمه وأوجهه لا يتطلبان الكثير من الجهد رغم تعددها وتداخلها، ولعل شبح الفساد يرد في المقام الأول وما يشمله من غياب للمساءلة والمحاسبة، الامر الذي يتطلب تحييد الادارة عن السياسة والعناية بالموارد البشرية كفاءة وجدارة وقدرات وتفعيل المحاسبة واعادة النظر بالتشريعات المتعلقة بالوظيفة العامة والتنظيم الاداري، ويقع موجب إصلاح الخلل في الأداء المؤسسي لا سيما في مكافحة الفساد، وتحصين الإدارات العامة ومختلف مؤسسات الدولة وأجهزتها ورفع مستوى أدائها على المسؤولين التنفيذيين في الدولة وفي طليعتهم أجهزة الرقابة ومجلس الخدمة المدنية على وجه الخصوص”.

وتابعت :”إن كانت ظاهرة الفساد شائكة ومعقدة، فإن مكافحته ينبغي أن تكون وفق أسس معيارية واضحة،  تبنى على مقاربات متكاملة جزائيا ومدنيا ومسلكيا، كما ينبغي قبل كل ذلك أن تكون ذات مشروعية، أي تنص عليها القوانين النافذة. وفي هذا الإطار تدفعنا الموضوعية للقول أن النصوص التشريعية اللبنانية شهدت نقلة نوعية في التصدي للفساد بحيث أقرت قوانين جديدة، أهمها قانون مكافحة الفساد وانشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وقانون حماية كاشفي الفساد وقانون الحق بالوصول الى المعلومات وقانون التصاريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الاثراء غير المشروع وقانون تضارب المصالح وغيرها من القوانين، وعدلت نصوص قائمة كتلك المتعلقة بالحصانة ولا يزال العمل جاريا لتوفير مختلف متطلبات مكافحة الفساد على المستويين التشريعي والتنظيمي.

وفي هذا السياق، لا بد من تسهيل اطلاع الموظفين وسائر المعنيين على الأحكام التشريعية والنصوص التنظيمية والتطبيقية لها التي تعنى بمكافحة الفساد وتيسير فهمهم لها ولمقاصدها ولأطر وآليات المكافحة، على نحو يعي كل من الموظف والمتعاملين مع الإدارة واجباته وحقوقه، كل ذلك يمكن تحقيقه باعتماد مدونة سلوك وظيفية شاملة متكاملة، تكون بمثابة منبه ومرشد ومحفز للمعنيين لالتزامها والأصول الواجبة المراعاة”.

وأردفت مشموشي :”مدونة السلوك المنوه عنها هي كناية عن مستند رسمي ملزم لجميع الموظفين العموميين، تعنى برفع مستوى الأداء وتحسين جودة الخدمات العامة، من خلال إرساء القيم والمبادىء الوظيفية المبنية على أسس النزاهة والشفافية والتجرد والحياد والمهنية التي يجب ان يتمتع بها الموظف العمومي، وتحديد الحقوق والواجبات والسلوكيات التي تحكم علاقته بادارته كما بينه وبين رؤسائه ومرؤسيه، وسائر الموظفين ومع طالبي الخدمات والمتعاملين، كما وبتحديد ضوابط العمل الحكومي وقيوده من جهة وأوجه حماية الموظف وتحصينه ضمن الاطر القانونية.

ولا بد للمدونة أن تتسم بمشروعية، تستمدها من المواثيق الدولية والنصوص الدستورية والقانونية بالإضافة إلى اعطائها الاطار التنظيمي بصدورها بالصيغة الرسمية عن السلطة الإجرائية. من هنا أهمية الحرص على إعدادها على نحو متقن، وتضمينها اضافة الى ما تقدم التعليمات والتوجيهات والإرشادات والمحاذير، تدرج فيها وفق تبويب يسهل عملية الإطلاع والفهم من أعلى الهرم الإداري إلى قاعدته. كما ينبغي أن تصاغ بلغة سلسلة مقتضبة واضحة المدلولات تستخدم فيها عبارات غير ملتبسة أو قابلة للتأويل. وبعد إقرارها ينبغي العمل على نشرها وتعميمها على الموظفين كافة بمختلف فئاتهم وأسلاكهم وشرحها والتدريب عليها للتحقق من مدى معرفتهم بمضمونها وفهمهم لروحيتها. ويمكن تقسيم مضمون المدونة إلى فصول أو محاور متسقة تتناول جزء من كل، ما يلي:

– مفاهيم عامة حول مبادئ الشفافية والنزاهة والكفاءة والمساواة والصدقية والتزام القوانين والنصوص النافذة، وكذلك الأخلاقيات التي ينبغي أن يتحلى بها الموظف وأدبيات التعامل على نحو يعكس ثقافة ورؤية ونهج إدارات الدولة والعاملين فيها.

– علاقة الموظف بالإدارة وواجباته وحقوقه، وآليات تأمين ممارسة مهامه بحرية واستقلالية ضمن الضوابط القانونية والتنظيمية، وعلاقته بسائر العاملين العموميين، بمن فيهم موظفو أجهزة الرقابة، من خلال تحديد السلوكيات والأدبيات التي ينبغي أن يتحلى بها.

– تغليب مصلحة الدولة، والتي تصب في إطار تحقيق الصالح العام، على أية اعتبارات ومصالح أخرى، كما الحفاظ على المباني والمنشآت التي يعمل فيها، والمعدات والتجهيزات التقنية وغير التقنية والآليات التي تسلم له أو توضع بتصرفه من أجل قيامه بالمهام المناطة به والإلتزام بعدم إساءة استخدامها، بحيث يحصر استعمالها بدواعي الوظيفة حصرا، ووفق الوجهة المخصصة لاستعمالها، والاعتناء بها وصيانتها..الخ.

– الحفاظ على أملاك الدولة العقارية والمنقولة والحؤول دون التعدي عليها أو التصرف بها، وحصر استعمالها في ما خصصت له، والسهر على الاعتناء بها، وصيانتها بما يكفل جهوزيتها وصلاحيتها للإستخدام حيث تدعو الحاجة وبكفاءة عالية.

– حسن ادارة الأمول العمومية وفق ما ينص عليه القانون والنصوص الإدارية النافذة، والائتمان على الانفاق العام.
– في عالم التحول الرقمي وثورة تكنولوجيا المعلومات وتنوع وسائط التواصل وقدرتها على التأثير في تكوين الرأي العام، فانه لا بد من تسليط الضوء على أصول التقيد بتعليمات وضوابط موجب الحفاظ على المعلومات والبيانات المتناقلة من دون تعريض سرية المعلومات والملكية الفكرية لأية انتهاكات والحؤول من دون قرصنتها أو الوصول إليها من قبل غير المخولين بالإطلاع عليها، بالإضافة إلى التزام أصول وأدبيات وضوابط استغلال وسائط  التواصل الاجتماعي والاستفادة من تطبيقاتها في كل ما له علاقة بالوظيفة العامة والشأن العام واحترام هيبة مؤسسات الدولة وأجهزتها وعدم الاساءة اليها.

– الحرص على تنمية المهارات الوظيفية والتخصصية والفنية من خلال تأمين متابعة الموظف للمستجدات في مجال عمله وتخصصه، وحضه على تحمل مسؤولياته تجاه الادارة ورؤسائه ومرؤوسيه والمتعاملين معه بحيث تأتي أعماله وقراراته خاضعة لحكم القانون دون غيره من الاعتبارات علنا بذلك نحقق جزءا من اصلاح اداري ننشده ونستعيد ثقة باتت مفقودة بين المواطن والادارة.
– بالاضافة الى اهمية تضمين المدونة القيم والسلوكيات الواجب احترامها وممارستها في وقت الأزمات وفي الظروف الاستثنائية التي ترسي أسسا وقواعد جديدة في العمل توجب البحث عن أطر وآليات جديدة كفيلة بتفعيل عمل ادارات الدولة ومؤسساتها وتطوير قدرات العاملين فيها بما يضمن استمرارية المرفق العام وتحقيق الانتاجية بالفعالية المطلوبة من جهة وتأمين بيئة سليمة في القطاع العام من جهة أخرى.

لذلك، ولكل ما تقدم وفي اطار عملية الاصلاح وتعزيز الشفافية، لا بد من تأكيد  أهمية المبادرة بإعداد وإقرار مدونة السلوك واخلاقيات الوظيفة العامة التي نحن بصدد الحديث عنها، باعتبارها احدى المرتكزات الأساسية لاستعادة الثقة المتبادلة ما بين الدولة ومواطنيها وتعميم ثقافة الانتماء الى الوظيفة العامة كجزء من الانتماء الى الدولة وتنقية ما شاب العلاقة بين الدولة التي يمثلها الموظف العام وبين المواطن من شوائب”.

أضافت مشموشي : “يكمن هدفنا في اعادة الشعور بالفخر عند الموظف لانتمائه الى الوظيفة العامة من خلال ادارة تعترف به قيمة وموردا وتحدث تغييرا جذريا في الانماط والمفاهيم التقليدية. ادارة يكون فيها للمراقبة والمساءلة دور جدي وللتحفيز ومكافأة الأداء الجيد دور فاعل ولاحترام الجدارة والكفاءة انعكاس على تطوير المسارات الوظيفية”.

وفي ختام كلمتها، كررت مشموشي “مع ايماني بما سبق لرئيس مجلس الخدمة المدنية معالي الدكتور خالد قباني ان ابداه في الاصلاح الاداري، قائلا: ” هل يكون للاصلاح مكان في اهتماماتنا، هل يكون للاصلاح نصيب من النجاح؟ سأنتظر، سأبقى منتظرا، سيطول انتظاري، سأبقى قابضا جمرة الاصلاح في يدي، لن أدعها تسقط، ستحرق يدي كما أحرقت أيد من قبلي، وستحرق ايد من بعدي، ولكن لن أترك لليأس سبيلا الى قلبي، ستبقى جذوة الاصلاح مشتعلة، ستبقى مع رواد الاصلاح جمرة الاصلاح مضيئة.

وجمرة الاصلاح، لا بد أن تتحول يوما ضياء واشعاعا وتحقيقا لأمل بادارة خلاقة رائدة، حيادية نزيهة وشفافة، رقمية فاعلة ومنتجة تشكل ركيزة الحكم الرشيد”.

وشكرت مشموشي الوزيرة رياشي على تلبيتها الدعوة وعلى “كل ما تبذلينه من جهد في المساهمة في تحقيق تنمية تنهض بالادارة العامة وتكرس مبادىء وقيم العمل في القطاع العام، وانني اذ أكرر تقديري للاهتمام الذي ابديتموه جميعا في موضوع اعداد المدونة، احيي التعاون الذي يبديه كل من المكتب الاقليمي والمكتب الوطني لبرنامج الامم المتحدة الانمائي كما اخص السيدة سيلين مويرو التي انتقلت الى تونس لممارسة مهامها بالتحية على مساهمتها الفاعلة في تأمين الاعداد للمدونة، ولفريق العمل في برنامج الامم المتحدة وفي مجلس الخدمة المدنية كل تقدير”.

صالح
ثم تحدث الممثل المقيم بالنيابة لمكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان محمد صالح ، وقال:” نلتقي اليوم في رحاب مؤسسة عريقة من مؤسسات الدولة اللبنانية، هذا الجهاز الرقابي الرئيسي الذي يتمتع بصلاحيات رقابية واصلاحية هامة، ويحوز على احترام وتقدير الجميع، ويصر على تأدية المهام الملقاة على عاتقه رغم الظروف الصعبة جدا التي تمر بها البلاد عموما والإدارة اللبنانية خصوصا.لذلك، لا بد من كلمة شكر وتقدير في البداية الى رئيسة هذا المجلس السيدة نسرين مشموشي، على مبادرتها في إقامة هذا اللقاء المهم، وعلى دعوتنا كي نكون جزءا من الحوار في شأن وضع وتفعيل مدونة أخلاقيات وسلوكيات الموظفين العامين”.

أضاف: “لم يعد خافيا على أحد أن الأزمة المالية والاقتصادية غير المسبوقة التي يعاني منها لبنان هي في أصلها أزمة ثقة، وهي نتيجة سنوات طويلة من إهمال حاجة البلاد الى اجراء إصلاحات شاملة وعميقة، وعلى رأسها حوكمة الإدارة وتحديثها، إضافة الى مكافحة الفساد وإنجاز التحول الرقمي بشكل منهجي ومندمج.

في ظل هذه الأزمة، تعاني الإدارة اللبنانية اليوم من شح الموارد المتاحة لها لأداء عملها، ومن انخفاض خطير في الإنتاجية واتساع غير مسبوق في ظاهرة التسرب الوظيفي، وتقترب أكثر فأكثر من خطر الانهيار. في حال استمر القطاع العام على هذا المنوال، سيصل لبنان الى مرحلة يصبح فيها إعادة الأمور الى نصابها أمرا بالغ الصعوبة، ويصبح فيها استرجاع القدرة على فرض النظام وتطبيق القانون وتوفير الخدمات الأساسية عملية معقدة بحاجة الى استثمارات ضخمة ووقت طويل جدا، مما سيؤدي إلى معاناة إنسانية أكثر عمقا وأعباء اقتصادية أكبر حجما في المستقبل”.

وتابع :”في ضوء كل ما تقدم، ما هو الحل؟ لا شك ان الحل في أساسه هو حل سياسي يتطلب من الجميع تحمل مسؤولياتهم واتخاذ القرارات المناسبة لمصلحة لبنان، ومنها القرارات المتعلقة بالإصلاح المنتظر. نقطة الانطلاق هي الإدراك بأن أية حكومة تستمد قوتها من قدرتها على اكتساب ثقة لناس بها. وتأتي تلك الثقة من إيمان المواطنين والمواطنات بأن حكومتهم قادرة على خدمتهم بنزاهة وعدالة وفعالية.

هذا يجعل من دعم دور الموظفين العامين أمرا جوهريًا وضرورة ملحة من ضرورات معالجة الأزمة والتعافي من تداعياتها، لأنهم هم الذين يمثلون الدولة في الحياة اليومية الناس، وهم الذين يتفاعلون معهم ويتعاملون معهم، وبالتالي فإن لهم الدور الأكبر في بلورة صدقية القطاع العام وثقة المواطنين في الإدارة. لكن هذا الدور لم يحظ بالاهتمام الكافي في الماضي.
إن النهوض بوضع الموظفين العامين يتطلب اهتماما كبيرا من أصحاب القرار ومجهودات مستمرة على مستوى الدولة، وهو لا يقتصر فقط على الجانب المادي، بل يتطلب جملة أمور أخرى وفي صلبها الجانب المعنوي المتمثل بتحصين الموظف في اخلاقيات وسلوكيات الوظيفة العامة. هذا ما أكدت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي أصبح لبنان دولة طرفا فيها عام 2009، وهذا ما التزمت العمل عليه الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2020-2025) التي تم إقرارها عام 2020، وهذا أيضا ما تبينه التجارب المقارنة في كل الدول التي استطاعت النهوض بواقع الوظيفة العامة ووضع الموظفين العامين لديها.

هذه التجارب، تظهر لنا أهمية أن تكون المبادئ والقواعد والمعايير الأخلاقية والسلوكية التي تنظم العمل في القطاع العام بغاية الوضوح ومعروفة تماما من قبل جميع الموظفين العامين، وأن تكون مرتبطة بنظام امتثال وإنفاذ فعال”.

أضاف صالح :”لا يمكن لنا في برنامج الأمم المتحدة الانمائي الا التعبير عن تقديرنا الكبير لمبادرة مجلس الخدمة المدنية وللسيد رئيس مجلس الوزراء على دعمه هذه المبادرة التي لن تكفي وحدها بطبيعة الحال، ولكنها تشكل جزءا من كل، وخطوة هامة من جملة خطوات أخرى ينبغي لها ان تستكمل بمبادرات اصلاحية أخرى تضاف الى الخطوات التي تم انجازها خلال الفترة الاخيرة، وآخرها صدور قانون الشراء العام، وإنجاز تعيين أعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

في هذا الإطار، يشرفنا تفضل مجلس الخدمة المدنية باختيار إقامة الشراكة مع البرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لدعمه في تطلعاته التي تتعلق بحوكمة الإدارة وتحديثها ضمن الصلاحيات التي يمنحها له القانون، وهي شراكة نعتز بها وتنسجم مع شراكتنا المقامة مع وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية في مجال مكافحة الفساد، وأيضا في مجال دعم التحول الرقمي وإصلاح الإدارة.
وفي هذا المسعى، نستمد الخبرات من زملائنا في المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي، الذي يعمل جنبا الى جنب مع فريقنا في لبنان، من أجل توفير المشورة والمساعدة الفنية لاستحداث نظام فعّال لإرساء مدونة عصرية وفعالة لأخلاقيات وسلوكيات الموظف العام، تكون متوائمة مع المعايير الدولية ومنسجمة مع الخصوصية اللبنانية، اضافة الى دعم تعميم هذه المدونة والتدريب عليها وتطوير منظومة لمتابعة الامتثال لها وانفاذها”.

وختم صالح:”الأهم من ذلك، أنه بالتعاون مع قادة أمثالكم، ذوي الرغبة الشديدة بتطوير الادارة اللبنانية، نحن على ثقة بأن هذه المبادرة سترى النور، وبأنها ستؤدي الى اتخاذ تدابير مهمة لتحسين آداء الإدارة العامة وتوفير الخدمات بطريقة أفضل الى الجميع دونما تمييز، بحيث يكون هذا العمل لبنة جديدة في بناء مستقبل أكثر ازدهارا واستدامة.

الوزيرة رياشي

ثم كانت مداخلة للوزيرة رياشي، تحدثت فيها عن “وضع الادارة بسبب الوضع العام في البلد الذي يفرض نفسه على الادارة وعلى المواطنين الذين يقصدون الادارة. فهناك معاناة يومية للجميع”،  مشيرة الى “ان هناك اهتماما كبيرا من السلطة السياسية والوزارء لايجاد حلول لاراحة المواطن والموظف في آن معا”، لافتة الى “أهمية مدونة السلوك”.

شقير
كما كانت مداخلة للدكتور انطوان شقير الذي تحدث عن أهمية المدونات ومكافحة الفساد”. مشيرا الى “ان ngo يستغلون قانون الحق في الوصول الى المعلومات ويطلبون معلومات عن الادارات تعود  لعشرين سنة ماضية”، لافتا الى “انه ليس هناك تعاون من قبل الادارات مع هذه الجمعيات”.

وأكد شقير “ان الادارات مع الشفافية ومكافحة الفساد”.

فلحه
وكانت مداخلة للمدير العام لوزارة الاعلام الدكتور حسان فلحه عرض فيها تجربته في الادارة اللبنانية، وقال:”الوظيفة العامة هي عمل انساني يقوم به بشر، وبالتالي هذا الامر ضمن بيئة، والبيئة تؤثر دائما على أي شيء في نمو الادارة او تطورها”.

وشدد فلحه على وجوب “ان نسعى لان تكون المدونات متممة للقوانين، اذ لايمكن لاي نص قانوني أن يجاريه أي نص طوعي، وعندما اتكلم عن الاخلاق فهناك فرق بينها وبين القوانين، والتي تتمثل بأن هناك جهة خارجية تحاسب وتراقب، اما الاخلاق فهي شيء طوعي في الدرجة الاولى وهو يقوم بصقل المجتمع، وتحول هذه الاخلاقيات بالممارسة الى سلوك وهو ما نسعى اليه في الادارة اللبنانية”.

ولفت الى “الخصوصيات الاساسية في الادارة اللبنانية”، وقال:” يختلف لبنان عن غيره في الموضوع الطائفي وحجم التدخل السياسي في الادارة، الى جانب المعاناة من ويلات الحرب ونتائجها، فهو لا ينمو نموا طبيعيا وبالتالي لن أحضر “اسقاطات” في اي مدونات سلوكية او أخلاقية واعتبر بانها تصلح في لبنان”.

وقال فلحه :”اذا استعدنا المادة 12 من الدستور اللبناني، وهي مادة أساسية لم يطلها اي تغيير مع اتفاق الطائف، منذ الانتداب الفرنسي وبقيت فترة طويلة وتنص الفقرة الاولى: “لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة، لا ميزة لاحد على الآخر الا من حيث الاستحقاق والجدارة حسب الشروط التي ينص عليها القانون.

والفقرة الثانية تقول: سيوضع نظام خاص يضمن حقوق الموظفين في الدوائر التي ينتمون اليها. الفقرة ذكرت حقوقا وليس واجبات. اليوم في لبنان لا توجد صفة موظف بل عامل. لان هناك متعاقد ا وأجيرا وموظفا وشراء خدمات وغيره، لكن المشكلة اننا اصطدمنا ونصطدم بشكل اساسي بمشكلة الانتماء. الانتماء لمن، للدولة او الطائفة او الحزب؟ وهذه الامور يجب ان تعالجها الادارة اللبنانية”.

أضاف : “نحن لدينا مشكلة انتماء، فعندما أواجه اي مشكلة لا الجأ الى الدولة بل الجأ الى من انتمي اليه، ان كان حزبا او طائفة. العناصر التي تشترط ان تكون متوافرة في الموظف هي: الامان، الثقة والاستقرار والرضى والاخلاص ، ويجب ان يعاد زرعها بالموظف في لبنان وهو امر اساسي لا يمكن تجاوزه، من خلال جعل الموظف يشعر بأنه يعيش في بيئة شبه سليمة ويضمن  نهاية تحفظ كرامته وسبل عيشه بعد انتهاء عمله من خلال معاش تقاعدي وليس تعويض نهاية خدمة فقط. نحن في حاجة الان الى ردم الهوة الكبيرة بين الموظف وبين الادارة، وبين الموظف وبين الدولة، وبين المواطن وبين الدولة”.

ولفت الى ان وزارة الاعلام عملت حتى النهاية في مسألة حق الوصول الى المعلومات، وقال :” الادارة اللبنانية ليست سيئة كما يتصور البعض. نحن نعيش في أقسى ظروف كي نضمن استمرار الادارة”.

وعرض فلحه للظروف المأسوية التي نعيشها، مشيرا الى انه “أصبح هناك هوة وعداوة وخصومة بين الادارة والموظف. واسبابها، ان كل معيار نتخذه في الدولة يجب ان يراعي الموضوع الطائفي، وهنا الخطأ المميت. فنحن لم نرتق بعد الى نصوص قانونية ومدونات سلوكية تجعل هذه الاخلاقيات عامة يرفع فيها الموظف منسوب المواطنة ويخفض من منسوب الانتماء الطائفي”.

ورأى ان “الحل يكمن في إيجاد منظومة أخلاقيات تتحول الى سلوك لدى الموظف والعامل والمواطن، ولكن قبل ذلك نحن في حاجة الى إعادة هيكلة نظامنا الاساسي”. وقال:” الادارة اليوم يتيمة في لبنان، ولا ترفد بدم جديد  ولا مباريات تجرى لاستيعاب الخريجين، والسبب المشكلة المالية”.

ثم كانت كلمة لسبليني. وقدم البركوتي شرحا عن المدونات وأهميتها.

وأدار النقاش رئيس المستشارين الإقليميين لمكافحة الفساد لدى برنامج الامم المتحدة الإنمائي أركان السبلاني الذي شدد على “أهمية مبادرة مجلس الخدمة المدنية باعتبارها جزءا من مجموعة واسعة من الإصلاحات التي ينبغي اجراؤها”، لافتا الى “ضرورة إشراك اكبر قدر ممكن من المعنيين في إعداد المدونة بحيث يتم البناء على نتائج هذا اللقاء لإجراء لقاءات أخرى تمكن فريق الخبراء من العمل مع مجلس الخدمة المدنية على إنجاز مشروع المدونة قبل نهاية شهر اذار، وذلك بما يتوافق مع المعايير الدولية وينسجم مع خصوصية لبنان والمرحلة المعقدة التي تمر فيها الإدارة اللبنانية”.

المزيد للمؤلف

ربما يعجبك أيضاً

+ لا توجد تعليقات

أضف لك